نزار قباني
توفي ابنة توفيق و هو في السابعة عشرة من عمرة مصاباً بمرض القلب و كانت وفاتة صدمة كبيرة لنزار، و قد رثاة في قصيدة
اليكم هذه القصيده
نزار يرثي ولده
إلى الأمير الدمشقي توفيق قباني.
مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات.. .
ومقصوصة ، كجناح أبيك، هي المفردات .
فكيف يغني المغني؟ .
وقد ملأ الدمع كل الدواة.. . وماذا سأكتب يا بني؟ . وموتك ألغى جميع اللغات.. .
لأي سماء نمد يدينا؟ . ولا أحدا في شوارع لندن يبكي علينا.. . يهاجمنا الموت من كل صوب.. . ويقطعنا مثل صفصافتين . فأذكر، حين أراك، عليا . وتذكر حين تراني ، الحسين . .
أشيلك، يا ولدي ، فوق ظهري . كمئذنة كسرت قطعتين.. . وشعرك حقل من القمح تحت المطر.. . ورأسك في راحتي وردة دمشقية .. وبقايا قمر . أواجه موتك وحدي.. . وأجمع كل ثيابك وحدي . وألثم قمصانك العاطرات.. . ورسمك فوق جواز السفر . وأصرخ مثل المجانين وحدي . وكل الوجوه أمامي نحاس . وكل العيون أمامي حجر . فكيف أقاوم سيف الزمان؟ . وسيفي انكسر.. . .
سأخبركم عن أميري الجميل . سأخبركم عن أميري الجميل . عن المكان مثل المرايا نقاء، ومثل السنابل طولا.. . ومثل النخيل.. . وكان صديق الخراف الصغيرة، كان صديق العصافير . كان صديق الهديل.. . سأخبركم عن بنفسج عينيه.. . هل تعرفون زجاج الكنائس؟ . هل تعرفون دموع الثريات حين تسيل.. . وهل تعرفون نوافير روما؟ . وحزن المراكب قبل الرحيل . سأخبركم عنه.. . كان كيوسف حسنا.. وكنت أخاف عليه من الذئب . كنت أخاف على شعره الذهبي الطويل . ... وأمس أتوا يحملون قميص حبيبي . وقد صبغته دماء الأصيل . فما حيلتي يا قصيدة عمري؟ . إذا كنت أنت جميلا.. . وحظي جميلا.. . .
لماذا الجرائد تغتالني؟ . وتشنقني كل يوم بحبل طويل من الذكريات . أحاول أن لا أصدق موتك، كل التقارير كذب، . وكل كلام الأطباء كذب. . وكل الأكاليل فوق ضريحك كذب.. . وكل المدامع والحشرجات.. . أحاول أن لا أصدق أن الأمير الخرافي توفيق مات.. . وأن الجبين المسافر بين الكواكب مات.. . وأن الذي كان يقطف من شجر الشمس مات.. . وأن الذي كان يخزن ماء البحار بعينيه مات.. . فموتك يا ولدي نكتة .. وقد يصبح الموت أقسى النكات . .
أحاول أن لا أصدق . ها أنت تعبر جسر الزمالك، . ها أنت تدخل كالرمح نادي الجزيرة، تلقي على الأصدقاء التحيه، . تمرق مثل الشعاع السماوي بين السحاب وبين المطر.. . وها هي شفتك القاهرية، هذا سريرك، هذا مكان . جلوسك، ها هي لوحاتك الرائعات.. . وأنت أمامي بدشداشة القطن، تصنع شاي الصباح، . وتسقي الزهور على الشرفات.. . أحاول أن لا أصدق عيني.. . هنا كتب الطب ما زال فيها بقية أنفاسك الطيبات . وها هو ثوب الطبيب المعلق يحلم بالمجد والأمنيات . فيا نخلة العمر .. كيف أصدق أنك ترحل كالأغنيات . وأن شهادتك الجامعية يوما .. ستصبح صك الوفاه!! . .
أتوفيق.. . لو كان للموت طفل، لأدرك ما هو موت البنين . ولو كان للموت عقل.. . سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين . ولو كان للموت قلب .. تردد في ذبح أولادنا الطيبين. . أتوفيق يا ملكي الملامح.. يا قمري الجبين.. . صديقات بيروت منتظرات.. . رجوعك يا سيد العشق والعاشقين.. . فكيف سأكسر أحلامهن؟ . وأغرقهن ببحر الذهول . وماذا أقول لهن حبيبات عمرك، ماذا أقول؟ . .
أتوفيق .. . إن جسور الزمالك ترقب كل صباح خطاك . وإن الحمام الدمشقي يحمل تحت جناحيه دفء هواك . فيا قرة العين .. كيف وجدت الحياة هناك؟ . فهل ستفكر فينا قليلا؟ . وترجع في آخر الصيف حتى نراك.. . أتوفيق .. . إني جبان أمام رثائك.. . فارحم أباك..
**************
شكرآ لوقتكم الثمين .