17 حلقة من سلسلة مذكرات الشهيد عوض سلمي
وقفات مع ملاحم المقاومة والجهاد
for PDF file click here
الشهيد عوض سلمي
الشهيد عماد عقل
إهـــــــــــــــــداء :
إلى من علمني فنون الحرب ودروب الجهاد .
_ إلى العملاق الذي ظلّ ضاغطاً على زناده حتى صعدت روحه إلى بارئها.
_ إلى من كان شبحاً وكابوساً يطارد الصهاينة في الليل والنهار .
_ إلى صاحب النداء الخالد : (إنّ قتلَ اليهود عبادة أتقرب بها إلى الله) .
_ إلى مصباح الهدى على طريق الجهاد والمقاومة .
_ إلى صاحب الكلمة الأولى ، والطلقة الأولى ، ودفقة الدم الأولى .
_ إلى الروح الطاهرة التي لا زال طيفها يحلق في سمائي .
_ إلى ذكراه التي لا ينشغل عنها ذهني ولا تفارق خيالي .
_ إلى روح الشهيد القائد البطل / عماد عقل " رحمه الله "
مقدمة :
( أيها المجاهدون الأحرار : إنها مَوْتة فلتكن في سبيل الله )
الحمد لله الذي أعز بالجهاد أقواماً ، وأذل به آخرين ، وقهر به الصهاينة المعتدين ، وجعله سبيلاً لتحرير الأرض والإنسان من الغاصبين ،
فقال تعالى شأنه وجلّت قدرته : " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا " البقرة 246
وقال " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " آل عمران 139
وقال أيضاً : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) الأنفال 60
ويقول : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) التوبة 111
الحلقة الأولى : عملية الخط الشرقي ( معبر كارني )
جاءت هذه العملية بعد نشاط مميز ، وجهود مضنية لخليتنا التي كانت تعمل تحت اسم كتيبة الشهيد ياسر النمروطي _ رحمه الله _ والتي قامت خلال فترة وجيزة بخطف أكثر من عشرة عملاء ، والتحقيق معهم ، وإعدام من يستحق الإعدام ، والإفراج عن البعض منهم .
لفت هذا النشاط الملحوظ انتباه الأخ المجاهد / عماد عقل _ رحمه الله _ فطلب مقابلة مسئول الخلية _ وكنت حينها مسئولاً عنها _ وعندما التقيت به في منزلي طلب مني أن أعمل بالتنسيق المباشر معه فقط فيما يتعلق بالعمل العسكري ضد قوات الاحتلال ، وأن أترك العمل تماماً في مجال مكافحة العملاء والمتعاونين ، ولم نكن نملك يومها سوى قطعة سلاح قديمة جداً من نوع " كارلوستاف " وبعض الخناجر ، وقد شرحت له ذلك ، فوعدني بأن يحضر لي أربع قطع سلاح من نوع " كلاشن كوف " وكمية من الذخيرة ، وبالفعل أحضر لنا السلاح بعد فترة وجيزة ، فقمنا سوية بتنظيف هذه البنادق بمنزلي ، ومن ثم جهزناها تماماً للعمل ، ويومها قام الأخ عماد بتدريبي على هذا النوع من السلاح ، وأمرني بأن أقوم بتدريب باقي أفراد خليتي ، وهم : الأخ المجاهد / م د ، والأخ المجاهد / ب ز ، والأخ المجاهد / م ع ، وبالفعل قمت بتدريبهم على تفكيك السلاح وتركيبه وتنظيفه ، واتفقنا على أن أقوم بتدريبهم على إطلاق النار في إحدى البيارات قرب منطقة " أم الليمون " ليلاً ، وتم ذلك بالرماية على شواخص وهمية للتصويب عليها .
كنت أدربهم على الرماية حتى طلوع الفجر ، ثم ننسحب ونضع سلاحنا في مخازن أعدت خصيصاً في باطن الأرض لهذا الغرض .
التقيت بالأخ / عماد _ رحمه الله _ وكان سعيداً جداً حين أخبرته أنني قد أنهيت المهمة على خير وجه ، وخلال لقائي أخبرني أنه ينوي القيام بعملية نوعية ضد قوات الاحتلال الصهيوني ، وبدون تردد جلسنا للتخطيط لهذه العملية ، واتفقنا على القيام برصد الهدف المطلوب ، وتأمين خط الانسحاب ، واستكشاف موقع العملية ، وتجهيز السلاح اللازم لتنفيذ العملية ، وقد قمت بمساعدة أفراد خليتي بإتمام كل هذه الأمور وتجهيزها ، وكانت خطة العملية كالتالي :
أولاً / خطة التنفيذ العسكرية :
تم الاتفاق مع الأخ عماد _ رحمه الله _ على أن تكون خطة التنفيذ هي تجاوز الهدف بعربة حصان نستقلها نحن ، ونكون بأسلحتنا المغطاة على أهبة الاستعداد والجاهزية ، وعندما يقترب الهدف ، ويتجاوزنا بخمسة أمتار ، نقوم بإطلاق النار بعد أن نأخذ إشارة البدء من الأخ عماد ، حتى إذا ابتعد عنا يكون قد انصلى بنيران أسلحتنا ونحن متمكنون منه عن قرب وبشكل مباشر ، حيث إننا أعلى من الجيب العسكري ونسير بجانب الطريق الذي يمر عليه الهدف .
بعد إتمام العملية يكون في انتظارنا سيارتان : الأولى من نوع " 305 " يستقلها الأخ عماد ، وينسحب بها بمفرده ، حيث قاعدته ومكانه الذي لا نعرفه ، وأما السيارة الثانية فكانت من نوع بيجو " 404 " أستقلها أنا وباقي أفراد خليتي ، وننسحب إلى قاعدتنا ، وقد كان سائق سيارة الأخ عماد _ رحمه الله _ هو الأخ م أ ، وأما سائقنا فكان الأخ منذر الدهشان _فك الله قيده .
ثانياً / الهدف المطلوب :
كان الهدف هو عبارة عن جيب عسكري تابع لما يسمى بحرس الحدود الصهيوني ، وكنا نقصد هذا الهدف بالذات ؛ لممارساته القذرة والتي تصاعدت وتيرتها في تلك الفترة ضد أبناء شعبنا ، حيث العربدة ، والترويع ، والإرهاب الذي كانت تمارسه هذه الوحدات ضد أبناء شعبنا ، وقد كان هدف العملية هو القضاء الكامل على أفراد الجيب وخطف أسلحتهم ما أمكن.
ثالثاً / تجهيز السلاح اللازم للعملية :
تم الاتفاق على اختيار قطعة سلاح من نوع " إم 16 " يحملها الأخ عماد _ رحمه الله _ وثلاث بنادق من نوع " كلاشن كوف " مع المجاهدين الثلاثة الآخرين ، على أن يحمل كل مجاهد مخزنين من الذخيرة ، ويحمل الأخ عماد _ رحمه الله _ لوحده ستة مخازن ، وتم كذلك تجهيز عربة الحصان ، بالإضافة إلى سيارتين وسائقين محترفين .
رابعاً / مكان تنفيذ العملية :
يقع مكان تنفيذ العملية على رأس الشارع المحاذي للخط الشرقي لمدينة غزة ، المتجه غرباً نحو مسجد مصعب بن عمير الذي اتفقنا على أن يكون بمثابة خط الانسحاب بعد تنفيذ العملية ، وقد تم كذلك تحديد زمن العملية بناءً على الرصد الدقيق للهدف ، حيث تم اختيار يوم الجمعة المبارك تيمناً بهذا اليوم الفضيل ، وكذلك بسبب خلو الخط الشرقي من السيارات العسكرية وسيارات المستوطنين الصهاينة في يوم الجمعة ، أما فيما عدا يوم الجمعة فإن هذا الخط يعد طريقاً استراتيجياً بالنسبة للعدو الصهيوني ، وعلى أي حال فقد كان قصدنا وهدفنا هو الجيب العسكري التابع لحرس الحدود بعينه والتمكن من القضاء على من فيه من الجنود والاستيلاء على أسلحتهم .
خامساً / تنفيذ العملية :
بعد إتمام كافة متطلبات العملية جاء القرار حاسماً من الأخ القائد عماد_ رحمه الله _ بأن غداً الجمعة الساعة السادسة والنصف تماماً سيكون اللقاء مع أعداء الله والإنسانية ، وطلب منا تجهيز أنفسنا والاستعداد التام ، وأوصانا بالاستعانة بقيام الليل وكثرة الدعاء والتوجه إلى الله والتذلل إليه واستجداء النصر والتمكين منه وحده ، ثم تركنا ليلة الخميس ، وانصرف إلى ربه يطلب منه العون والتأييد .
بتنا ليلتنا _ أنا وأفراد خليتي _ في حوش كبير ومهجور مصلين مبتهلين متضرعين إلى الله جلّ شأنه ، فهذه هي العملية الأولى لنا فلها بالتأكيد وقع كبير على نفوسنا ، سيما وأننا مع أحد أعظم رجال الجهاد والمقاومة في تاريخ فلسطين المعاصر .
نودي للصلاة من فجر الجمعة ، فسعينا إلى ذكر الله ، وأدينا الصلاة في جماعة ، ثم أخرجنا السلاح المعد لتنفيذ العملية وتفقدناه جيداً ، وتفقدنا أمشاط الذخيرة رصاصة رصاصة ، كل هذا وألسنتنا تلهج بالدعاء ، وبذكر الله ، والإلحاح عليه أن يوفقنا ويحقق لنا الظفر والنجاح في عملنا هذا ، وأن يجعله خالصاً لجلال وجهه الكريم ، وأن يتقبلنا شهداء صادقين مقبلين غير مدبرين .
مكثنا على حالنا هذا حتى طلوع شمس يوم الجمعة ، فشددنا الأحزمة وامتشقنا سلاحنا وصرنا على أتم الاستعداد لخوض المعركة ، وبعد أن أدركنا الموعد المحدد انطلقنا ، نحمل بنادقنا على أكتافنا ، وأرواحنا على أكفنا ، ولسان حالنا يردد
قول الله تعالى :
" يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون "
الأنفال 45
أقبل إلينا القائد الهمام ، الفارس المقدام ، الأسد الهصور بطلعته البهية ووجهه المشرق بنور الإيمان ، كله ثقة ويقين بنصر الله ، تعلو وجهه الابتسامة المعتادة الساخرة بأعداء الله ، وكأنه في نزهة ، أو رحلة صيد .
أقبل القائد عماد _ رحمه الله _ وسلم علينا ، وأخذ يشحذ فينا الهمم ، ويقوي فينا العزيمة ، ثم أمرنا بأن يأخذ كل واحد منا موقعه ويجهز بندقيته .
امتطينا عربة الحصان وانطلقنا على اسم الله ، وقد سبقنا أخوانا السائقان بسيارتيهما ؛ ليكونا على أتم الاستعداد لتأمين انسحابنا بعد تنفيذ العملية .
وصلنا إلى المكان المحدد للعملية ، وهنا يصعب على المرء أن يصف بقلمه هول الموقف وصعوبته ، خصوصاً وأننا أمام أول تجربة جهادية في حياتنا ، ويجب أن نثبت جدارتنا فيها ، ونحقق هدفنا ، ومما زاد من روعنا وجود الأخ عماد بيننا فهو المطلوب رقم واحد ، وقد كان كل همنا هو النجاح في العملية أولاً ، وتأمين حياة القائد عماد ثانياً ، فقد كنا نخشى أن يحدث له مكروه في أول عملية لنا معه ، خصوصاً وأن الأخ عماد كان يبني آمالاً كبيرة على خليتنا هذه ، والحقيقة أنها كانت مسئولية كبيرة ملقاة على عاتقنا ، فقد كنا حريصين أشد الحرص على نجاح هذه العملية .
كنت أسوق الحصان وخلفي باقي أفراد الخلية ، وكل واحد منا يضع يده على سلاحه المغطى تحت بطانية من الصوف ، وأخذنا نسير على رصيف الخط الشرقي قريبين من خط الانسحاب بحوالي مائة متر ، وقد أخذنا نسير شمالاً وجنوباً بانتظار مجيء الهدف ، واستمر هذا الحال حوالي ربع ساعة ، وهنا تملكنا خوف شديد بسبب تأخر الهدف ، ووجودنا في مكان أشبه بالثكنة العسكرية فتلك المنطقة تعج بمعسكرات العدو الصهيوني ، وهنا قررنا وضع خطة ميدانية بديلة عن الخطة المقررة ، وتقضي بالاستغناء عن عربة الحصان ، وآثرنا عدم الانسحاب أبداً ، ولو استدعى ذلك ضرب أي هدف للعدو يمر من هناك ، فأصدر القائد عماد أمره بأن نأخذ مواقع أرضية بين أشجار الزيتون المطلة على الشارع العام ، وكلف الأخ أحد أفراد الخلية باستكشاف الآليات الإسرائيلية القادمة من مسافات بعيدة ، وعند مشاهدة أي آلية للعدو عليه يعطينا إشارة للاستعداد ، ثم يأتي مسرعاً ليأخذ موقعه مع إخوانه ليشارك في إطلاق النار ، وما هي إلا لحظات حتى أقبلت سيارة شرطة كبيرة " ترانزيت " ، فأعطى الأخ المكلف بالمراقبة إشارة الاستعداد ، ثم أخذ موقعه معنا ، وعندما اقتربت منا سيارة الشـرطة استقبلناها بوابل من الرصاص ينطلق من فوهات بنادقنا ، وبصرخات " الله أكبر " تنطلق من حناجرنا .
ظل أزيز الرصاص يمتزج بصرخات الله أكبر ، والجنود يصطرخون داخل سيارتهم حتى فرغت مخازن أسلحتنا ، فانسحبنا مسرعين نحو سياراتنا ، حيث استقل الأخ عمـــاد
_ رحمه الله _ سيارته وحده بصحبة سائقه الخاص ، وانطلقت أنا مع أفراد خليتي نحو السيارة الأخرى ، وهنا ظهرت حنكة القائد وجرأته ، حيث قام عماد _ رحمه الله _بعملية تغطية من خلال إطلاق النار في الهواء لتأمين انسحابنا ، حيث يظن العدو بأن إطلاق النار عليهم لا زال مستمراً فلا يستطيعون النهوض من سيارتهم فضلاً عن إطلاق النار .
في أثناء عملية الانسحاب كان عماد يسير بسيارته أمامنا بسرعة خيالية ، وكانت طبيعة الأرض طينية ، مما جعل سائقنا لا يكاد يرى إصبع يده من شدة الغبار المنبعث من سيارة عماد فانقلبت بنا السيارة ، ودخلت بين أشجار الزيتون ، وأصبحت رأساً على عقب ، وعلى الفور أمرت أفراد الخلية بكسر نوافذ السيارة والخروج بسرعة .
كان الأمر مرعباً وخطيراً ، وقد غلب علينا الظن أن العدو يتعقبنا ، ولا مناص من الوقوع بقبضته ، أو تصفيتنا .
وفي هذه اللحظات الحرجة تدخلت عناية الله ، فسقطت البندقية ولأول مرة من يد الأخ عماد أثناء إطلاقه النار ؛ لتكون سبباً في نجاتنا ، فلم يكن يعلم بما حدث معنا ، فأمر سائقه بالتوقف والرجوع لأخذ قطعة السلاح التي سقطت من يده ، وفي أثناء رجوعه شاهدنا ، فاقترب منا ، وانبطح أرضاً ، وأمرنا بأن نستقل سيارته ، بينما أخذ هو يطلق النار بشكل متقطع باتجاه سيارة الشرطة المتوقفة تماماً عن الحركة ، حيث كانت المسافة بيننا وبين سيارة الشرطة لا تتجاوز المائتي متر حينما انقلبت بنا السيارة ، ولولا عناية الله وعودة الأخ عماد لأخذ بندقيته لتمت تصفيتنا جميعاً ، حيث جاءت على الفور تعزيزات الجيش من المعسكرات القريبة من المكان .
وفي أثناء الانسحاب استمر عماد في إطلاق النار للتغطية ، وهو يصرخ بأعلى صوته ( نحن كتائب القسام ) من أجل أن يعلم الناس أن هذه العملية من صنع الكتائب _ فقد كنا نعاني من تبني بعض الفصائل الأخرى لعملياتنا العسكرية _ .
وصلنا إلى المدخل الجنوبي لمدينة غزة ، وبعدها توجهنا إلى حيث انطلقنا من قواعدنا لنشاهد ما أثار استغرابنا ودهشتنا ، حيث وجدنا الحصان الذي كنا نركبه ينتظرنا عند المكان الذي أخذناه منه في منطقة أم الليمون التي تبتعد عن مكان العملية أكثر من ثلاثة كيلو مترات.
بعد أن وصلنا إلى قاعدتنا وأصبحنا في مأمن ، أخذنا نضمد جراحنا البسيطة التي أصبنا بها أثناء انقلاب السيارة ، أما الأخ عماد _ رحمه الله _ فقد أصيبت ( قُصِعَت ) يده جراء سقوط البندقية منها أثناء إطلاق النار ، وبقيت تؤلمه حتى استشهاده رحمه الله .
عندما عاد عماد لقاعدته الخاصة به ، أصدر من هناك بياناً أعلن فيه مسئولية كتائب الشهيد عز الدين القسام _ الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية " حماس " _ عن تنفيذ هذه العملية البطولية .بينما اعترفت إذاعة العدو بإصابة اثنين من أفراد الشرطة أحدهما في حالة خطرة ، وحملت مسئولية هذه العملية لكتائب القسام _ جناح حماس العسكرية
الحلقة الثانية : عملية الزيتون البطولية :
على أثر العملية البطولية التي قمنا بتنفيذها على الخط الشرقي لمدينة غزة ، قامت قوات العدو بإجراءات أمنية مشددة في جميع المناطق المجاورة لمكان العملية ، وقامت بتسيير دوريات عسكرية محمولة بجيبات عسكرية صغيرة كنا نطلق عليها اسم " الطرّاد " ويستقله ثلاثة جنود في الغالب ، وتكون مهمة هذه الدوريات الصغيرة استطلاع واستكشاف مستمر لمداخل الشوارع التي تقع ضمن مسئوليتهم ومنافذها .
وفي ذات يوم كنا على موعدٍ مع القدر حين توافدت إلينا معلومات من العيون القسامية الساهرة على أمن هذا الوطن تفيد بمرور دورية جيب صغير كل يوم ، فصدر الأمر من الأخ عماد _ رحمه الله _ بمراقبتها بشكل دقيق ، ورصد كل تحركاتها ، وبالفعل تم ذلك وجاءت نتائج الرصد مشجعة جداً ، وقد بدت السعادة على وجه الأخ عماد لدى سماعه بهذه الأنباء والتي كان فحواها أن الجيب العسكري الصغير يأتي كل يوم من ناحية الخط الشرقي لمدينة غزة ، ويتجه غرباً من الشارع المقابل لمسجد مصعب بن عمير ، ثم يدخل في الأزقة الفرعية المطلة على حي الشجاعية ، ليعود من جديد باتجاه الخط الشرقي ، وهكذا كل يوم .
على إثر هذه المعلومات تم عقد عدة اجتماعات ، وتم وضع العديد من الخطط العسكرية ، لكن القائد عماد _ عليه رحمة الله _ لم يعتمد أياً منها ، حيث أصر أن يقوم بنفسه بمعاينة مكان العملية ، ومشاهدة الهدف مباشرة ، وتحديد المكان المناسب لتنفيذ العملية ، وقد تم ذلك فعلاً ، واستقر الأمر على وضع الخطة العسكرية التنفيذية على النحو التالي :
وضع الخطة العسكرية :
كانت الخطة العسكرية مبنية أساساً على نصب كمين محكم من الناحية الشمالية للشارع الذي تمر منه الدورية باتجاه مسجد مصعب بن عمير،حيث إن الشارع محاط " ببيارة" كثيفة الأشجار ومحاطة بضلوع الصبر الكثيف ، وكانت الخطة تقضي بأن يكون الكمين خلف باب البيارة الكبير _ والذي يعتبر بمثابة ساتر أمني للمهاجمين عند إطلاق النار _ وعند اقتراب الدورية منا مسافة ثلاثة أمتار فقط نخرج من خلف الباب ونباغتها بالهجوم بالأسلحة الرشاشة ، وذلك بعد أن نتلقى الإشارة من الأخ المكلف بالرصد فوق سطح مسجد مصعب بن عمير .
كانت الخطة تقضي بأن يتم القضاء على أفراد الدورية جميعاً واغتنام أسلحتهم وعتادهم ، والانسحاب إلى القواعد التي انطلقنا منها .
تجهيز العتاد المطلوب لتنفيذ العملية :
استقر رأي الأخ عماد _ رحمه الله_ على اختيار رشاش من نوع " إم 16 " وقطعة سلاح أخرى من نوع " كلاشن كوف " يحملها الأخ الثاني الذي سينفذ العملية إلى جانب الأخ عماد ، وكان بحوزة عماد ستة أمشاط من الذخيرة كالعادة ، في حين كان مع المجاهد الآخر مخزني ذخيرة فقط ، وقد تم اختيار سيارة من نوع بيجو 504 لتنفيذ الهجوم ، والانسحاب بها من ساحة العملية .
يوم تنفيذ الهجوم :
طلب الأخ القائد عماد _ رحمه الله _ مقابلتي قبل موعد الهجوم بيوم واحد ، وبالفعل تم اللقاء بيني وبين الأخ عماد ، فأخبرني بأن أحد الإخوة المدربين في الخارج تدريباً جيداً ، وعلى أعلى المستويات سوف يقوم بالعملية بدلاً مني ، كان الأخ عماد يتحدث معي بحذر متوقعاً رفضي ، أو امتعاضي . والحقيقة أنني تضايقت ، ولكنني امتثلت لأمر القائد ، وكنت الجندي الملتزم المطيع ، وقلت للأخ عماد _ رحمه الله _ إننا جميعاً نتعاون ونعمل من أجل هدف واحد ولا مانع من أن تتقدم الكفاءات الجيدة ، فالمهم هو تحقيق النصر ، وقتل الجنود والظفر بسلاحهم .
ظهر على وجه الأخ عماد رحمه الله ارتياحاً شديداً وهو يسمع الرد الذي صدر عني ، وأمرني بأن أكون بانتظاره غداً بعد الفجر مباشرة في قاعدتنا في منطقة أم الليمون المحاذية لخط الانسحاب ؛ لأراقب الطريق وأستلم منه السلاح الذي سيغنمه من الجنود القتلى بعد تنفيذ العملية ، وأحتفظ بها في مخازن أنشئت خصيصاً لهذا الغرض ، وطلب مني أن أرسل قطعة
" كلاشن كوف " مع مخزنين للذخيرة ، والتي سينفذ بها المجاهد الثاني العملية بجانب عماد ، وبالفعل تم عمل ذلك على أكمل وجه .
ومع بزوغ فجر يوم الأحد الموافق 12/9/1993 م كان ملك الموت يستعد بأمر ربه لانتزاع أرواح ثلاثة من أبناء القردة والخنازير ، حيث كانوا على موعد مع عماد الذي طالما تجنبوا لقاءه ومواجهته ، حيث صرح أحد جنرالات العدو في إحدى المؤتمرات الصحفية : بأن جنوده يخشون مواجهة عماد عقل ليلاً .
مرّ بي القائد المظفر _رحمه الله _ فجر ذلك اليوم ليتأكد من وجودي في مكاني الذي أمرني بالانتظار فيه ، فسلم علي ودعوت له بالنجاح والتوفيق والسداد ، وطمأنته بأن كل شيء على ما يرام ، ثم انطلق من عندي لتنفيذ الهجوم بصحبة الأخ المجاهد / م ز _ فك الله أسره _ حيث إنه معتقل لدى العدو الصهيوني بالسجن المؤبد ثلاث مرات _ .
وصل القائد عماد والمجاهد م ز إلى مكان تنفيذ الهجوم في تمام السادسة صباحاً، فترجل الفارسان بأسلحتهما وأخذ كل منهما موقعه المناسب لإطلاق النار بسهولة ويسر على الهدف القادم ، في حين صعد سائق السيارة الأخ المجاهد ب ع إلى سطح المسجد من أجل المراقبة ، بعد أن ركن سيارته في مكان آمن بعيداً عن مرمى إطلاق النار .
وبعد لحظة بدت بشائر النصر تهلهل من بعيد ، وجاء الصيد الثمين يتدرج نحو شباك الصيد التي أعدت له وهو لا يدري ، فأبصرته عيون الصقر المحلق فوق سطح المسجد ، فأعطى إشارة البدء ، وكانت عبارة عن صفارة مميزة ، فأخذ القائد عماد والمجاهد م أعلى درجات الاستعداد والحذر تأهباً للبدء في الهجوم .
كان ذلك في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً بالتوقيت المحلي ، وبعد أن أعطى المجاهد ب إشارة البدء نزل مسرعاً وتوجه نحو سيارته ، وأدار محركها ليكون مستعداً للانسحاب .
اقترب الهدف وهو يتبختر كعادته ، وما هي إلا لحظة بسيطة حتى تراءى له الموت الزؤام من خلف بوابة البيارة ، وصرخات الله أكبر تعلو صوت الرصاص ، ليمتزج معها صرخات الجنود داخل الجيب ، وهنا تتوقف بندقية المجاهد م ز ، ليتولى القائد المقدام عماد _ رحمه الله _ وحده إدارة العملية ، وهو يركض خلف الجيب لأكثر من مائة متر وهو يطلق النار من مسافة لا تزيد على ثلاثة أمتار في عناد عجيب وإصرارٍ لا يلين على تحقيق هدفه وهو قتل الجنود الثلاثة ، والحصول على أسلحتهم . وفي أثناء إطلاق النار توقف الجيب العسكري حين ارتطم بباب المسجد ، ووقع سائقه على الأرض فتقدم إليه جزار اليهود _ عماد _ ليوجه بندقيته نحو رأسه فيأخذ الجنـدي بالصراخ والعويل راجياً عماد ألا يقتله ، ولكن كيف ؟ فعماد متعطشٌ لدمه ، وهو يستشعر قول الله تعالى " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير " التوبة "73" ، والتحريم "9"
عاجله عماد برصاصة أخرجت دماغه من قعر رأسه ، حتى تطايرت أجزاء من دماغه النجس على قميص عماد ليشهد له أمام الله عز وجل بقتل اليهود ، حيث كان رحمه الله يردد دائماً
( إن قتلي لليهود عبادة أتقرب بها إلى الله ) .
بعد أن فرغ عماد_ رحمه الله _ من قتل سائق الجيب توجه بسرعة نحو باقي الجنود، وأخذ يطلق رصاصة مباشرة على رأس كل واحد ، حتى تأكد من قتلهم جميعاً ، ثم قام بسحب سلاح الجندي الأول والثاني وأخذ يفتش عن سلاح الثالث دون جدوى حيث كان الجندي الثالث متكئاً عليه بعد مقتله ، ولأن الوقت ليس في صالح عماد فقد قرر ترك البحث عن البندقية الثالثة ، والانسحاب فوراً خشية وصول إمدادات عسكرية صهيونية .
في هذه اللحظة افتقد القائد عماد المجاهد م ز ، فلم يعثر عليه ، فأخذ يصرخ عليه ، حيث تملكه خوف من أن يكون قد أصيب أو قتل ، ولكن الأخ عماد أدرك أنه في خطر حقيقي بسبب طول المدة الزمنية التي استغرقها الهجوم ، فقرر الانسحاب من المكان بسرعة ، أما الأخ م فقد ترك سلاحه بجوار ضلوع الصبر الكثيفة وانسحب بمفرده ، فضلّ الطريق ، ولولا عناية الله أن سخر له بعض الشباب فساعدوه حتى توارى عن الأنظار ، لوقع في مأزق حرج .
في هذه اللحظة كنت في أشد الحيرة والقلق ، وأنتظر بفارغ الصبر قدوم المجاهدين ، وذلك بسبب طول المدة التي استغرقتها العملية ، ولم يطل قلقي وانتظاري ، فقد أطل الفارس من بعيد يحمل معه شواهد النصر ، وغنائم المعركة ، فسلمني البندقيتين اللتين غنمهما بعد قتل الجنود ، وهما من طراز إم 16 ، وقال لي سأراك لاحقاً ، وانطلق مسرعاً ليكمل انسحابه باتجاه قاعدته الآمنة في منطقة الرمال الجنوبي ، ثم قمت بإخفاء البندقيتين في المخزن الذي خصص لهم ، وفي اليوم التالي قابلت الأخ عماد فأخبرني بتفاصيل ما حدث ، وقد بدا قلقاً على الأخ م ز ، وأخبرني بأن الأخ م ز قد ترك سلاحه تحت ضلوع الصبر ، ولم يتمكن من تحديد مكانه بالضبط ، ومن المرجح أن اليهود قد عثروا عليه أثناء تمشيط المنطقة ، ثم طلب مني أن أقوم بتصوير البندقيتين وتسجيل أرقامهما العسكرية ، وتسليمها إياه من أجل كتابتها في البيان العسكري الذي سيصدره للإعلان عن تبني العملية ، وبالفعل تم ذلك ، وقام بصياغة البيان العسكري متضمناً اعتراف كتائب القسام عن تنفيذ هذا الهجوم البطولي ، وكذلك صورة البندقيتين ورقمهما العسكري ، وذلك من أجل قطع الطريق على بعض التنظيمات التي كانت معتادة على سرقة بعض العمليات البطولية التي كان ينفذها أبطال القسام .
في اليوم الثالث لتنفيذ العملية قمت باستكشاف الموقع الذي بدا دماراً ، حيث قامت قوات الاحتلال بهدم غرفتين مبنيتين في البيارة المجاورة ، وتجريف المئات من أشجار البرتقال والزيتون ، كما قاموا بتجريف أرصفة الصبر في المكان ، كما كانت هناك دورية راجلة مكونة من 12 جندي تجوب المكان ذهاباً وإياباً .
انتظرت حتى ابتعدت الدورية ، وقمت بعملية بحث سريعة ويائسة عن قطعة السلاح التي ألقاها الأخ م ز ، وفي أثناء البحث ارتطمت يدي بقطعة السلاح المدفونة بين ضلوع الصبر ، فوضعتها تحت معطفي وانطلقت بها مسرعاً مع أحد الإخوة الذي كان ينتظرني بسيارة في مكان قريب ، وعدت مسرعاً إلى القائد عماد رحمه الله ، وأخبرته نبأ عثوري على قطعة السلاح المفقودة ، فطار فرحاً بهذه البشرى ، وحيا جهودي وإصراري من أجل العثور على هذه القطعة التي كان سعرها مرتفعاً جداً في ذلك الوقت ، وكان العثور على السلاح مهمة شاقة ومتعبة ، فقد كان السلاح في ذلك الوقت بالنسبة لنا أغلى من الغذاء والماء والهواء
طلب مني الأخ عماد لقاءه من أجل استنباط الدروس والعبر ، وتشخيص مواطن الخلل ومعالجتها من أجل تلاشي مثل هذه الأخطاء في عمليات أخرى قادمة ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مواطن التدريب تختلف كثيراً عن ميادين المواجهة الحقيقية ، لذا يجب على المجاهد المستجد عسكرياً _ وإن كان مدرباً تدريباً جيداً _ أن يأخذ أدواراً ثانوية في عمليات عسكرية يشارك فيها حتى يتمرس على فنون القتال ، ويستطيع بالتدريج أن يخوض غمار المواجهة ، والأهم من كل هذا هو ضرورة كسر حاجز الخوف لدى الإخوة المجاهدين الجدد ، فصوت إطلاق النار ، وصراخ الجنود ، وصيحات الله أكبر وصور القتلى والجرحى . كل هذه الأمور ليست بالأمر الهين البسيط ، فلا داعي لأن نخدع أنفسنا ، ونتهاون في الأمر ، بل تحتاج هذه الأمور إلى ممارسة ودراية بفنون المقاومة والقتال ، هذا إن أردنا أن ننجح في تحقيق أهدافنا ولا نقع في أخطاء قد تودي بحياة الإخوة المجاهدين ، فلولا عناية الله وتوفيقه ، ثم الشجاعة غير العادية التي أبداها القائد_ عماد رحمه لله _ لقتل نتيجة الانسحاب المبكر للأخ م ز ، وتركه الأخ عماد وحده في المعركة ، فأخطاء العمل المسلح ليست كأي أخطاء أخرى ، فغالباً ما تكون نتيجتها قاتلة ، لذا يجب أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر أثناء تأدية الواجب العسكري المسلح .
الحلقة الثالثة : عملية العباس الفدائية :
في أعقاب استشهاد الأخ القائد المجاهد عماد عقل رحمه الله اجتمعت قيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام وقررت إعداد خطة لتنفيذ عشر عمليات عسكرية ثأراً لاستشهاد القائد الأول لكتائب القسام عماد عقل ، وقد سميت هذه الخطة " بالخطة العشرية " ، وقد جاءت هذه العملية البطولية التي نتحدث عنها كردٍ مبدئي ، وإحدى العمليات العشرة للرد على استشهاد القائد عماد .
أردنا من خلال هذه العملية أن نثبت للقاصي والداني أننا أوفياء لدماء قائدنا ورمز جهادنا الأخ عماد رحمه الله ، وأن دماءه لن تذهب هدراً ، أردنا من خلال هذه العملية الفدائية أن نترك المجال للرصاص كي يتحدث عن شجاعة عماد وتضحياته ، وتركنا لبنادقنا أن تفتح صفحات المجد الناصعة التي خلفها القائد عماد ، وهو الذي كان يردد دائماً
( لن أخرج من هذا الوطن حتى تحريره ، أو أقتل دونه ) وكان من أقواله رحمه الله
( إنني أقتل اليهود لأتقرب إلى الله بأرواحهم ) ، كان ليلة تنفيذ أي عملية عسكرية لا ينام الليل متهجداً ، قائماً لله ، ذاكراً مبتهلاً ، قارئاً للقرآن يستمد العون والتوفيق من الله وحده ، فقد كان شديد التوكل على الله ، ولن نسترسل في ذكر أوصافه رحمه الله فقد لا تتسع هذه العجالة لذلك ، فلن نبالغ إن قلنا إن مؤلَفاً أو كتاباً لا يكفي للوقوف على أوصافه ومناقبه .
لذا كان لزاماً علينا أن نقدم لشهيدنا البطل ذي الأرواح العشرة _ كما كان يصفه الصهاينة _ ما يليق به وبجهاده ، وقد شاء الله تعالى أن ألتقي بالأخ المجاهد كمال كحيل _رحمه الله _ في تلك الفترة ، فقمنا بتبادل الأفكار والآراء ، وكان هدفنا الوحيد هو الثأر للأخ عماد _رحمه الله_ بعمليات موجعة نقوم بها ضد أهداف العدو ، وقد كانت فرصة لدراسة نتائج عملية رصد طويلة قام بها بعض أفراد العيون الساهرة ، وقد أبديت إعجابي بنتائج الرصد ، وكذلك الخطة التي أشار بها الأخ كمال_ رحمه الله _، وقد طلبت من الأخ كمال بأن نخرج بأنفسنا من أجل معاينة الموقع ، وتحديد زاوية إطلاق النار ، وخط الانسحاب ، ووضع الخطة النهائية موضع التنفيذ ، وبالفعل قمنا بهذه المهمة ، وحددنا كل شيء ، وأصبحنا جاهزين لتنفيذ الهجوم .
خطة التنفيذ العسكرية :
ارتكزت الخطة العسكرية التي وضعناها أساساً على إحكام كمين متحرك داخل سيارة باص " فولكس فاجن " ، حيث كانت الخطة تقضي بأن نتمركز بسيارتنا في أحد الشوارع الفرعية التي تطل على الشارع المؤدي إلى مسجد العباس ، حيث تمر من هناك سيارة شرطة كبيرة من نوع " فورد ترانزيت " وتتوجه نحو مركز الشرطة العسكرية بالقرب من مسجد العباس فإذا ما وصلت مفترق العباس فلا بد لها من الوقوف على الكف الموجود على المفترق ، وعندها نكون بسيارتنا نمشي خلف سيارة الشرطة ، فإذا ما وقفت على الكف ، يقوم سائقنا بتجاوز الهدف بمحاذاته وعن قرب ، وعندها نبدأ أنا والأخ كمال كحيل رحمه الله بإطلاق النار على السيارة العسكرية من مسافة لا تبعد أكثر من مترين أو ثلاثة ، حتى تفريغ كامل ذخيرتنا ، ومن ثم الانسحاب باتجاه مستشفى الشفاء ، ثم نحو منطقة النصر ، حيث تكون بانتظارنا سيارة أخرى نستقلها نحو قواعدنا الآمنة في منطقة الشيخ رضوان ، وهذا التغيير للسيارات هو من دواعي الحيطة الأمنية حيث إن البحث الصهيوني سيركز على نوع باص فولكس فاجن ، بينما نحن نركب سيارة أخرى .
العتاد المطلوب لتنفيذ العملية :
كنت مصراً على تنفيذ هذه العملية بسلاح القائد عماد _رحمه الله_ ، وهو قطعة سلاح من نوع إم 16 ، بينما يستعمل الأخ كمال بندقيته من " جاليلي " وأعددنا كمية كبيرة من الذخيرة ، وذلك احتياطاً لأسوأ الاحتمالات إذا فرضت علينا مواجهة طويلة ، حيث سنكون مضطرين للمقاومة حتى آخر طلقة وآخر نفس من أنفاسنا ؛ لأن خيار الاستسلام لم يكن وارداً في عقليتنا العسكرية أو حساباتنا في أي عملية نقوم بتنفيذها ، بل كنا نعتمد خيار الانسحاب بعد تنفيذ العملية ، أو الشهادة إن فرضت علينا المواجهة أو الحصار .
بالإضافة إلى قطعتي السلاح اخترنا سيارتين مجهزتين تجهيزاً كاملاً لتنفيذ الهجوم ، وهي عبارة عن سيارة فولكس فاجن والأخرى سيارة من نوع " بيجو 504 " لتغيير سيارة الفولكس ، وقد حرصنا على أن تكون السيارتان مجهزتين تماماً من الناحية الميكانيكية ، ومن ناحية الوقود كذلك ، وذلك احتياطاً لأي مطاردة طويلة ، وكذلك راعينا أن تكون إطارات السيارتين من نوع " تيوبلس " التي لا تصاب بالعطب بسرعة إذا ما أصيبت بعيار ناري أثناء المطاردة ، هذا بالإضافة إلى سائقين محترفين من السائقين المحترفين في العمليات العسكرية.
يوم تنفيذ الهجوم المسلح :
كان الاتفاق بيني وبين الأخ كمال _ رحمه الله _ يقضي بأن نلتقي فجر يوم العملية في بيت الأخ المجاهد ز ق في منطقة الدرج بمدينة غزة ، وكان ذلك في أول شهر 12/1993 م ، وعندما وصلت البيت ، وكانت معي بندقيتان ومخازن الذخيرة ، وجدت الأخ كمال _ رحمه الله _ ينتظرني هناك بصحبة السائقين والسيارتين ، ومن ثم أخذنا في وضع اللمسات الأخيرة على الخطة ، وتأكدنا من أن كل شيء على ما يرام ، ثم عقدنا العزم ، وتوكلنا على الله وحده ، ومضينا وقلوبنا تلهج بالدعاء والذكر والاستغفار وقراءة القرآن والتضرع إلى الله تعالى بأن يمن علينا بالنصر ، وأن يمكننا من رقاب أعدائنا .
كانت الساعة السادسة والنصف حين ركبنا سيارة الباص ، وانطلقنا وأمامنا سيارة البيجو 504 لكشف الطريق لنا ، حتى وصلنا إلى موقع تنفيذ الهجوم ، وهناك ركنا الباص على جانب طريق فرعية في انتظار مرور الهدف ، وكنا بالطبع على أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ الهجوم .
في تمام الساعة الثامنة إلا ربعاً أقبل الهدف يلوح من بعيد ، وكؤوس المنايا تلفه من كل جانب ، قمت بسحب أجزاء بندقية القائد الراحل عماد رحمه الله وأنا أستشعر أنه يرافقني ، وقد كنت أجلس بجانب السائق ، وخلفي المجاهد كمال رحمه الله ، فأمرت السائق أسامة حميد _رحمه الله_ أن يدير محرك الباص ويستعد للانطلاق ، وما إن وصلت سيارة الشرطة حتى أمرت السائق أسامة بالتحرك خلف سيارة الشرطة الصهيونية ، وأمرت الأخ كمال رحمه الله بالاستعداد ، وطلبت منه بأن يتمالك أعصابه ، وأن لا يطلق أي رصاصة قبل أن أبدأ أنا بإطلاق النار فأنا أكثر دقة في إصابة الهدف ؛ لأن موقعي بجانب السائق يمكنني من إصابته بشكل مباشر .
أظهر الأخ كمال _ رحمه الله _ قدراً كبيراً من الانضباط ، وما إن وصل الهدف إلى إشارة " الكف " وتعني التوقف ، حتى أمرت الأخ أسامة بتجاوز سيارة الشرطة ، حتى أصبحت نوافذ سيارتنا مقابلة تماماً لنوافذ سيارة الشرطة ، وعندها بدأنا في إطلاق النار بكثافة على الهدف وهو متوقف ، وكالمعتاد تتعالى صيحات التكبير لتتعانق مع زخات الرصاص الهادر يخالطها صراخ أبناء القردة والخنازير من اليهود الجبناء ، وكم هو جميل أن تسمع صراخ اليهود في العمليات العسكرية ، فإن لذلك الصراخ وقعاً جميلاً لا يدركه إلا من اعتاد على سماعه أثناء العمليات المسلحة التي كنا نقوم بها ضد الجيش الذي حاول الجبناء أن يقنعونا عبـر تاريخ الصراع الطويل أنه " الجيش الذي لا يقهر " .
دب الرعب والهلع بين أفراد الشرطة داخل السيارة ولم يتمكن أي منهم من إطلاق ولو رصاصة واحدة ، فقد كنا ندرك أنهم في وضع لن يتمكنوا فيه من استعمال السلاح ، وقد كسر صراخهم صمت المكان ، وتطاير زجاج نوافذ سيارة الشرطة في الهواء جراء إطلاق النار الذي لم يتوقف إلا بعد أن فرغت ذخيرتنا تماماً داخل سيارة الشرطة ، وعندها قمنا بالانسحاب حسب الخطة الموضوعة ، وفي أثناء الانسحاب وبسبب السرعة الفائقة التي كان السائق يسير بها أخذت السيارة تموج بنا يميناً ويساراً ، ولم يستطع السائق أن يتحكم بها إلا بعد فترة من الزمن ، وبتوفيق من الله وحده وصلنا إلى المكان المتفق عليه في شارع النصر ، حيث كانت في انتظارنا السيارة الأخرى التي أقلتنا إلى حيث قواعدنا الآمنة .
في هذه العملية رأيت بعيني رأسي رصاصاتنا وهي تخترق أجساد أفراد الشرطة ودماؤهم تتفجر من أجسادهم ، حيث إن المسافة بين فوهات بنادقنا وبين رؤوس الجنود لم تتجاوز ثلاثين سنتيمتراً ، وتجدر الإشارة هنا أن العدو فرض تعتيماً رهيباً على الهجوم ، واكتفوا بإذاعة نبأ هجوم على مقر شرطة العباس مدعين إصابة جنديين ، جراح أحدهما متوسطة ، والحقيقة أننا لم نستهدف مقر شرطة العباس أصلاً ، بل كنا على بعد أكثر من مائتي متر عنه ، ولم يذكروا سيارة الشرطة العسكرية ، ولا أي صور عنها في وسائل الإعلام ، وذلك في تقديرنا حفاظاً على معنويات جنودهم التي تدهورت في أعقاب استشهاد القائد عماد ، حيث كانوا خائفين جداً من رد الفعل المتوقع لاستشهاده ، وقد شاهد أهالي تلك المنطقة طائرة عمودية تهبط في مكان قريب ، وتنتشل القتلى والجرحى من المكان ، ثم تطير متجهة شمالاً نحو " فلسطين 48 " .
كان الأخ كمال _ رحمه الله _ سعيداً جداً وروحه المعنوية تبدو عالية ؛ لمشاركته في أول هجوم مسلح ضد العدو الصهيوني ، وقد أثار عدم إعلان العدو لخسائره بصورة واضحة حفيظتنا حيث صممنا على تنفيذ عملية أخرى أشد وأقسى من هذه حتى نجبرهم على عدم إخفائها .
وهنا لا بد لنا من الاعتراف الدائم بالخضوع والخشوع لله وحده ، إذ بمعيته وتوفيقه كنا نسير ونحقق هذه الانتصارات ، ذلك مصداق
قوله تعالى :
( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى )
الأنفال " 17 " ،
والقائل :
( وما النصر إلا من عند الله ) الأنفال "10"
ومهما بلغ عدونا من قوة في العدد والعدة فإن قوة الله غالبة ، وإن القوة لله جميعاً ، وكنا نستشعر في جميع عملياتنا المسلحة
قوله تعالى :
( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده )
آل عمران " 160 "
إن استشعار معية الله عز وجل في أعمالنا العسكرية كانت تجعلنا نتقاذف إلى الموت ، ونصبر عند اللقاء ، ونقترب من عدونا أكثر ، حتى لكأنه غير موجود أمامنا .
الحلقة الرابعة : عملية قتل قائد الوحدات الخاصة في القطاع الجنرال ( مئير منز )
جاءت هذه العملية الفدائية الشجاعة في إطار عمليات الثأر لاستشهاد القائد المجاهد عماد عقل_ رحمه الله _، وبعد مرور شهر واحد على رحيله .
وقد كانت هذه العملية الجهادية الرائعة بمثابة الصاعقة التي نزلت على صدور الأعداء ، إذ أصبح معلوماً لديهم بأن المناورة أصبحت الآن بيد الكتائب ، وأنهم ينتقون أهدافهم ، ويرصدونها بدقة متناهية ، ثم يهاجمونها بأعلى درجات الكفاءة والنجاح ؛ إذ كيف تمكن أفراد خلايا القسام العسكرية من رصد الجنرال " مئيرمنز " وقتله ، فقد جاء هذا الرد متفوقاً على كل حسابات العدو واحتياطاته الأمنية ، وأوقعت هذه العملية الهلع والرعب في قلوب العدو الصهيوني ، وقد ازدادت مخاوفهم إثر توقعات قادة العدو من أن تتمكن خلايا القسام من استهداف شخصيات سياسية وعسكرية كبيرة في المناطق المحتلة ، أو حتى داخل إسرائيل .
لقد كانت المفارقة عجيبة جداً في هذه العملية ، وتدخلت مشيئة الله وإرادته وتوفيقه ، إذ أن هذا الضابط كان المسؤول المباشر عن القوة التي قامت بتصفية القائد عماد_ رحمه الله_ وذلك حسبما أوردته مصادر العدو ، فكانت العملية حقاً ( قائداً بقائد _ وباقي عملياتنا العشر زيادة ) .
والحقيقة أن هذه العملية جاءت بعد جهود مضنية تم بذلها على كل المستويات ، حيث توافدت إلينا الأنباء من عيوننا الساهرة بأن جيباً عسكرياً يقل ضباطاً كباراً في الجيش الصهيوني يمر بانتظام كل يوم متجهاً شمالاً نحو منطقة تسمى " التوام " بالقرب من قاعدة عسكرية لجيش العدو في منطقة السودانية ، والحقيقة أننا لم نكن نعلم بأن هذه الضابط هو قائد الوحدات الخاصة في قطاع غزة ، وأنه الذي أشرف مباشرة على تصفية قائدنا المجاهد عماد _ رحمه الله _ وعلى الفور قمنا بعملية استطلاع سريعة لمعاينة الموقع والتأكد من مرور الهدف ، وبناء على عملية الاستطلاع هذه وضعنا خطتنا العسكرية المناسبة للهجوم ، وحددنا موعداً للتنفيذ ، وقد جاءت الخطة كالتالي :
الخطة التنفيذية للهجوم :
كالعادة اعتمدت خطتنا أساساً على نصب كمين ثابت ، يتمركز في الشارع الترابي المطل على منطقة التوام شمال غزة ، حيث نتوارى بجانب سيارتنا من نوع بيجو 404 كساتر أمني لنا ، ومع اقتراب الهدف ، وعلى بعد أقل من خمسة أمتار نقوم بمهاجمته بالأسلحة الآلية الرشاشة ، حيث سنتقابل بشكل عكسي _ هو يكون متجهاً شمالاً ، ونحن نقابله من جهة الجنوب _ ، وسيكون مضطراً لتهدئة السرعة بسبب وجود مفترق طرق وعليه إشارة التوقف ، مما يسهل لنا عملية الانقضاض عليه ، وافتراسه كما يفترس الليث فريسته ، وبعد تنفيذ الهجوم نقوم بالانسحاب فوراً متجهين شرقاً نحو مخيم جباليا،ومن ثم نحو قاعدتنا الآمنة .
هدف العملية :
كما قلنا فقد كان الهدف عبارة عن جيب عسكري قيادي ، حيث كانت جيبات القيادة مميزة عن باقي الجيبات العسكرية الأخرى ، ويستقل هذا الجيب عددٌ من القادة العسكريين وجنود الحراسة المرافقين ، وقد كان الهدف من هذه العملية هو قتلهم جميعاً وسلب أسلحتهم ، حيث كان السلاح في ذلك الوقت عزيزاً ونادراً ومرتفع الثمن كما أسلفنا ، وكنا في كل عملياتنا نستهدف سلب أسلحة القتلى إن أمكن .
العتاد المطلوب لتنفيذ العملية :
تقرر بأن يشارك في هذه العملية ثلاثة مجاهدين بثلاثة بنادق رشاشة : الأولى من طراز إم 16متطورة ، وهي بندقية القائد الشهيد عماد عقل _ رحمه الله _ أحملها أنا ، وبندقيتين من طراز " جاليلي " يحملها كل من المجاهد منذر الدهشان _فك الله أسره_، والمجاهد س ع ، مع كمية كبيرة من الذخيرة تكفي لتنفيذ الهجوم ، واحتياطاً لأي طارئ قد يحدث ، هذا بالإضافة إلى أحد السائقين المهرة ، وهو المجاهد ع ح .
يوم تنفيذ العملية :
قررنا أن يكون التنفيذ صباح يوم الجمعة الموافق 25/12/1993 م وذلك تيمناً ببركة هذا اليوم المبارك ، ولأنه يصادف مرور شهر كامل على استشهاد القائد عماد رحمه الله ، وكالمعتاد قمنا قبل تنفيذ الهجوم بيوم واحد بعملية تفقد لكل الأسلحة والعتاد الذي سنستخدمه في العملية ، ولما جنّ علينا الليل انصرفنا للقيام والتهجد والدعاء ، وطلب العون والمدد من الله جلّ شأنه ، وتوجهنا إليه بتذلل وخضوع ، وقلوب خاشعة تخفق شوقاً إلى الشهـادة والجنـة .
استمر ذلك حتى طلوع الفجر، وبعدها انطلقنا لصلاة الفجر في جماعة ، ثم قمنا بشد الأحزمة والاستعداد للقاء الهدف الذي ننتظره ، وينتظرنا وكأننا على موعدٍ معه ، كل ذلك وألسنتنا لا تتوقف عن الدعاء والتضرع إلى الله أن يمن علينا بالنصر والتوفيق والسداد من عنده ، وفي تمام السابعة صباحاً حضر السائق المحترف بسيارته ، وحملنا أسلحتنا وذخيرتنا، وانطلقنا نحو موقع التنفيذ .
كنت بجانب السائق وخلفي الأخ س ع ، وبجانبة الأخ منذر الدهشان _فك الله قيده_، وكل منا يضع إصبعه على زناد بندقيته استعداداً لإحدى الحسنيين ، وفور وصولنا لموقع العملية قمنا بعملية تفقد واستكشاف سريعة للمكان ، وبعد أن اطمأننا من عدم وجود أي معوقات ، قمنا بتوزيع أنفسنا حسب الخطة المرسومة ، وكنت أتمترس داخل الباب الأمامي الأيمن ومعي بندقيتي ، والأخ س ع خلفي ، أما الأخ منذر الدهشان فقد توارى خلف عامود باطون كان موجوداً في المكان ، وقد كانت سيارتنا متجهة جنوباً بعكس الهدف المنتظر قدومه من جهة شارع النصر شمالاً ، وفي هذه الأثناء ذهب الأخ س ع لقضاء حاجته ، وما إن وصل إلى مكان قضاء حاجته حتى أقبل الهدف يلوح من بعيد ، فصرخنا عليه بأن يعود فعاد مسرعاً قبل إتمام قضاء حاجته ، وأخذ موقعه معنا ، وعلى عجل أمرت كلاً من الأخ منذر والأخ س ع بالإطلاق السريع للنار على الهدف ، في حين أقوم أنا بإطلاق النار بشكل فردي وبتصويب دقيق نحو السائق والضابط الذي يجلس بجانبه من أجل إيقاف السيارة ، ولأنني كنت معنياً بالتركيز على واحد أو اثنين لضمان قتلهما ، والباقي يقتل أثناء الإطلاق الكثيف للنار ، وبعد أن تنفذ ذخيرة الأخوين أقوم أنا بالإطلاق السريع والتقدم نحو الهدف للتغطية على الأخوين ، بينما يقومان من جديد بتبديل مخازن أسلحتهما والمباشرة مرة أخرى بإطلاق النار ، حتى القضاء التام على جميع من في الجيب ، وبذا نكون قد سيطرنا على الجيب ، ويسهل علينا سلب أسلحتهم التي كنا بأمس الحاجة إليها .
كان الهدف يسير وفيه قاتل عماد عقل ونحن لا ندري ، وهو كذلك لا يدري بقنابل الموت المزروعة له على جانب الطريق ، كان قاتل عماد يظن بأنه سيعيش بعد عماد مائة عام ؛ لأن شبح الموت المسمى عماد قد قتل ، ولكنه لم يكن يدري أن الحرب لم تضع أوزارها بعد ، وأن بندقية عماد لا زالت بأيدٍ متوضئة .
اقترب الهدف منا في تمام التاسعة والربع صباحاً ، فخرجنا من كمائننا صوبه ليس بيننا وبينه سوى أربعة أمتار فقط ، لنصبح مع الهدف وجهاً لوجه على الطريق العام ، وبدأت بإطلاق النار حسب الخطة المقررة ، وهنا أخذت العملية تأخذ منحى آخر ، إذ إن بندقية الأخوين س ع ومنذرالدهشان تعطلتا قبل أن تنطلق منهما رصاصة واحدة ، ففتحت منظم بندقيتي على الإطلاق السريع حتى فرغت مخازن بندقيتي ـ فتوقفت عن إطلاق النار؛ لتغيير المخازن الفارغة بأخرى ممتلئة ، وهنا استغل أحد الجنود _ وكان جريحاً _ فرصة توقف إطلاق النار ، ونزل من خلف الجيب وانبطح أرضاً ، وأخذ بإطلاق النار بشكل عشوائي ، ولم نكن نبتعد عنه سوى أمتار معدودة ، ولكن الله أخذ سمعه وبصره ، فلم يرنا ولم يسمعنا ؛ بل أخذ يطلق النار في الجهة الأخرى ، فأيقنا أنها معية الله ، وعنايته .
وهنا كان لزاماً عليّ أن أغير الخطة بسرعة فائقة ، وأتصرف ميدانياً ، فأمرت السائق بالرجوع للخلف في الشارع الذي انطلقنا منه ، ويستعد للانسحاب ، بينما قمت أنا بعملية تغطية أمنية أثناء الانسحاب ، وذلك بإطلاق النار على شكل صليات متقطعة باتجاه مصدر الجندي الذي يطلق النار ، وقد كنت أحاول قتله إلى جانب التغطية الأمنية ، ولكن دون جدوى ، فقد كان متحصناً بإطارات الجيب ، وهنا تحتم علينا الانسحاب بطريقة معاكسة للخطة ، إذ لو انسحبنا حسب الخطة لكان من السهل أن يطلقوا علينا النار ويقتلونا ؛ لأنهم أصبحوا في وضع يمكنهم من ذلك ، لذا انسحبنا من الجهة الأخرى ، وفي أثناء الانسحاب استطاع الأخ س ع تشغيل بندقيته فساعدني في عملية التغطية الأمنية ، وهنا تكمن الخطورة ، حيث سارت السيارة مسافة تزيد عن 150 متراً وهي تسير إلى الخلف أثناء الانسحاب ، ونحن نركض خلفها بشكل عكسي مستمرين في إطلاق النار نحو الهدف ، حتى لا يتمكنوا من الرد علينا وقتلنا ، وبفضل الله ومنته تمكنا بعد فترة طويلة من الخروج من هذا المأزق الخطير الذي وُضِعْنا فيه نتيجة تعطل البندقيتين .
واصلنا انسحابنا متجهين نحو بيت لاهيا ، وما إن وصلنا هناك حتى شاهدنا ثلاث طائرات هليوكبتر تتجه نحو المكان لانتشال القتلى والجرحى من مكان الهجوم ، مما يعطي انطباعاً بمدى السرعة الفائقة التي يتمتع بها العدو في مجال الاتصال وسرعة الإمداد ، مما يوجب علينا أخذ الحيطة والحذر ، وتنفيذ الهجوم والانسحاب من المكان بأسرع وقت ممكن ، وبعد ذلك واصلنا انسحابنا نحو قواعدنا الآمنة في منطقة تل الزعتر ، وبعد ساعات قليلة أعلنت إذاعة العدو نبأ حدوث هجوم مسلح على دورية عسكرية في غزة ، واعترفت بمقتل قائد الوحدات الخاصة في قطاع غزة ( الجنرال مئيرمنز ) وإصابة ضابط كبير وجنديين بجراح ما بين متوسطة وخطيرة ، كما ادعت الإذاعة مقتل شخص مجهول الهوية في مكان الحادث ، وعندما أجرينا تحريات في غزة تبين أنه لم يقتل أحد ، وأن ذلك من قبيل الدعاية المسمومة التي تبثها أجهزة الإعلام الصهيونية للتأثير على المجاهدين ، وقد توقعنا بأن يكون القتيل الذي ذكروه هو أحد المتعاونين الكبار ، وقد كان بصحبتهم ، ولم يريدوا الكشف عن هويته ، سيما وأن الضابط القتيل كان قائد الوحدات الخاصة التي يعمل في إطارها كبار العملاء ، وعلى أية حال فقد كنا متيقنين من مقتل أكثر من واحد ، خصوصاً سائق الجيب ومن بجانبه ؛ لأنهم أصيبوا بأول دفعة من إطلاق النار ، وبطبيعة الحال وعند سماعنا لهذا الخبر سجدنا لله شكراً، وأخذنا نهتف " الله أكبر ، الله أكبر " ،ودموع الفرح تنهمر من أعيننا ؛ أن وفقنا الله بقطع رأس من رؤوس الشر ، لطالما اكتوى المجاهدون بناره ، حيث إن مهمة الوحدات الخاصة كانت التخفي في أزياء عربية ، وملاحقة المجاهدين ، وتصفيتهم وكان آخرهم قائدنا المغوار عماد _ رحمه الله _ الذي أشرف الجنرال الهالك السفاح " مئيرمنز " بنفسه على قيادة الوحدة الخاصة التي قامت بتصفيته ، والمفارقة العجيبة _ ولا عجب في أمر الله _ أن يقتل هذا الوغد ببندقية عماد ذاتها ، وكأنها تعرفت عليه _ فسبحان الذي ساق هذا السفاح لحتفه ، وأذاقه من نفس الكأس التي سقاها إخواننا المجاهدين .
على أية حال تملكنا فرح شديد ، وارتياح كبير لمقتل أكبر رؤوس الإجرام في جيش العدو .
الحلقة الخامسة : عملية الثلاثيني :
نسبة إلى شارع الثلاثيني بمدينة غزة ، حيث جاءت هذه العملية بعد خمسة أيام من تنفيذ الهجوم الناجح في منطقة التوام ، وقتل قائد الوحدات الخاصة في جيش العدو الجنرال مئيرمنز ، وإصابة ثلاثة آخرين ، وقد أردنا من خلال هذه العملية التأكيد على أننا ماضون ، بل مصرون على خيار المقاومة ، والتحدي ضد العدو الصهيوني الغاشم .
فقد وصلتنا معلومات من صقور الليل القسامية تفيد بأن هذا الطريق _ شارع الثلاثيني_ هو بمثابة ممر دائم لأهداف متنوعة من جيش العدو ، حيث يوجد في نهاية الشارع معسكر للاعتقال ، ومقراً للجيش وهو أنصار "2" .
على الفور قمت باصطحاب الأخ المجاهد منذر الدهشان _ فك الله قيده _ والأخ المجاهد ع ح في جولة سريعة لاستطلاع المنطقة ، ووضع خطة ملائمة لتنفيذ العملية ، وقد كانت الخطة كتالي :
الخطة العسكرية :
كانت الخطة العسكرية تعتمد أساساً وكالعادة على الكمين المحكم ، وفي هذه المرة كان كميناً ثابتاً على أحد الشوارع الفرعية المطلة على شارع الثلاثيني العام ، حيث نكون على جانب الطريق نحمل في أيدينا كتباً جامعية لإيهام العدو بأننا من طلاب الجامعات ، بينما نضع أسلحتنا في صناديق كرتونية مرتكزة بجوارنا على الحائط ، في حين تكون سيارتنا في الانتظار خلف ساتر إسمنتي في الشارع الفرعي المتجه جنوباً وعلى أتم الاستعداد ، ومع اقتراب الهدف القادم من جهة الغرب ، نسارع بالتقاط أسلحتنا ومباغتته عن مسافة لا تزيد عن المترين ، ثم نقوم بالانسحاب من الشارع الجنوبي حيث سيارتنا في انتظارنا ، ونتجه نحو شارع المغربي ، ومن هناك نتجه نحو الشمال لنقطع شارع الثلاثيني وعمر المختار والوحدة باتجاه منطقة اليرموك ، وهذا يشكل عملية انسحاب معاكسة لتوقعات العدو ، حيث إن توقعاتهم ستكون باتجاه منطقة الصبرة القريبة ، ولن يخطر ببالهم أننا سننسحب متجاوزين خط الثلاثيني الذي نفذنا عليه هجومنا .
الهدف المطلوب :
كان الهدف المطلوب هو عبارة عن سيارة مدنية يستقلها أربعة من الموظفين اليهود الذين يعملون في الإدارة المدنية " أبو خضرة " ، والهدف هو قتلهم جميعاً ومحاولة خطف أسلحتهم إن أمكن .
العتاد اللازم لتنفيذ العملية :
اثنان من المجاهدين مزودان ببندقيتين الأولى : من طراز إم 16 أحملها أنا _ وهي بندقية عماد _ رحمه الله _ ، والثانية من نوع جاليلي يحملها الأخ ع ح ، بالإضافة إلى كمية كافية من الذخيرة ، وسيارة من نوع بيجو 505 مجهزة تماماً مع سائقها الأخ المجاهد منذر الدهشان
يوم تنفيذ العملية :
في ليلة تنفيذ الهجوم قمنا بتفقد أسلحتنا وذخيرتنا قطعة قطعة ، ورصاصة رصاصة ، وجعلناها جاهزة تماماً لتنفيذ الهجوم ، ثم لجأنا إلى مقدر الأقدار ، العزيز الجبار ، مكور الليل على النهار ، نستعينه ونطلب منه التوفيق المدد ، فقضينا ليلتنا في الصلاة والعبادة ، والذكر والدعاء ، نظهر الذلة والمسكنة أمام الله ، والصلابة والشدة أمام أعدائنا ، ومع اقتراب الفجر أدينا الصلاة في جماعة ، وانتظرنا حتى جاء موعد تنفيذ العملية ، وما إن قاربت على السابعة صباحاً حتى ربطنا الأحزمة ، وركبنا سيارتنا ، وبعد التوكل على الله تعالى أمرت السائق بالانطلاق نحو مكان تنفيذ الهجوم ، وسارت بنا السيارة على بركة الله ، وألسنتنا لم تتوقف عن الدعاء والذكر وتلاوة القرآن ، وفور وصولنا إلى المكان قمنا بعملية استكشاف سريعة ، ومعاينة بسيطة للمكان ، ورسمنا خط الانسحاب على الطبيعة ، ثم ترجلت أنا والأخ ع ح ووضعنا أسلحتنا في صناديق الكرتون كما هو متفق عليه في الخطة ، ثم ركناها بجانبنا على الحائط ، بينما ذهب سائقنا بسيارته في المكان المحدد له للانسحاب ، وأخذ كل واحد منا موقعه استعداداً لتنفيذ الهجوم على الأعداء وإثخانهم وإنزال أقصى الخسائر بهم .
في تمام الثامنة صباحاً تراءى لنا الصيد من بعيد ، وأخذ يتقدم بخطىً ثابتة نحو الموت ، وما إن اقترب منا حتى فاجأناه بزخاتٍ من الرصاص ، ومن مسافة لا تزيد على خمسة أمتار ، وعانق الرصاص صوت التكبير من جديد ليصعد الاثنان إلى الخالق جل شأنه ؛ ليكونا شاهدين لنا عند الله تبارك وتعالى على قتل اليهود ، وما إن انهالت أول رشقة من رصاصنا حتى توقفت سيارة العدو تماماً ليكون من السهل علينا افتراسها .
مضينا في إطلاق النار على السيارة حتى نفذت منا الذخيرة ، وعندها قمنا بالانسحاب حسب الخطة الموضوعة ، وفي أثناء الانسحاب سقط مني مخزنان للذخيرة ، فأبيت أن أتركهما ، بل عدت لأخذهما ، وقام الأخ ع ح بالتغطية عليّ ، فالسلاح غالٍ ، والذخيرة غالية وعزيزة في ذلك الوقت ، بعد ذلك استأنفنا عملية الانسحاب نحو السيارة التي تنتظرنا ، وتوجهنا نحو شارع المغربي ، ومن هناك قطعنا شارع الثلاثيني ، ثم عمر المختار ، ثم الوحدة ، وفي هذا خطر كبير ، ولكنه تمويه أمني عالي التفكير ، ثم توجهنا من هناك إلى منطقة اليرموك حيث قاعدتنا الآمنة ، ولدى سماعنا نبأ العملية من إذاعة العدو اعترف بإصابة اثنين ؛ أحدهما في حالة خطيرة جداً ، توفي بعد يومين متأثراً بجراحه ، ثم ذكرت إذاعة العدو بأن المهاجمين الذين نفذوا العملية هم أنفسهم الذين نفذوا عملية قتل الجنرال مئيرمنز قائد الوحدات الخاصة في جيش العدو ، وذلك من خلال اقتفاء الأثر والتعرف على أقدامنا ، وكذلك من خلال فحص خراطيش الذخيرة ، حيث وجدوا أن الذخيرة هي نفسها التي تم استخدامها في الهجوم الذي استهدف الجنرال اليهودي .
الحلقة السادسة : عملية شارع الوحدة وسط مدينة غزة
كان يتحتم علينا القيام بعملية جريئة وقوية إثر استشهاد أربعة من مجاهدي كتائب القسام في مدينة الخليل ، بعد حصارهم وقصفهم بالطائرات والصواريخ المضادة للدروع ، لذا جاءت هذه العملية كردٍ عملي وسريع على هذا الحادث الإجرامي الذي أقدمت عليه قوات الاحتلال ، وقد كانت لدينا معلومات مسبقة من جهاز الرصد القسامي تفيد بأن دورية عسكرية راجلة تقوم كل يوم بنصب حاجز تفتيش تعمل من خلاله على إهانة المواطنين والتطاول عليهم ، وكالعادة قمنا نحن بعملية استطلاع سريعة لموقع الحاجز والطرق الفرعية المطلة عليه ، ثم تمكنا من تحديد المكان المناسب لتنفيذ الهجوم ، ووضع الخطة العسكرية الملائمة ، والتي كانت على النحو التالي :
خطة التنفيذ العسكرية :
كانت الخطة العسكرية تقضي بأن نقوم بمفاجئة أفراد الحاجز العسكري من أحد الطرق الفرعية من الناحية الجنوبية المطلة على شارع الوحدة ومن مسافة خمسة مترات فقط ، وبعد نفاذ الذخيرة نقوم بالانسحاب بسرعة ، حيث تنتظرنا سيارة مع سائق محترف جاهزة للانطلاق ، ثم ننسحب عكسياً باتجاه الشمال فنقطع شارع " فهمي بك " وموقف سيارات جباليا ، ثم نواصل انسحابنا شمالاً باتجاه منطقة السدرة ، ومن هناك نحو قواعدنا الآمنة في منطقة اليرموك .
الهدف المقصود:
كان الهدف عبارة عن دورية راجلة مكون من ستة جنود تقوم بنصب حاجز تفتيش في شارع الوحدة بغزة ، وكان هدفنا هو القضاء عليهم جميعاً ومحاولة خطف أسلحتهم إن أمكن .
العتاد اللازم لتنفيذ الهجوم :
تقرر اشتراك أربعة من المجاهدين لتنفيذ هذه العملية مع أربعة بنادق رشاشة بذخيرتها : الأولى بندقية عماد _ رحمه الله _ من نوع إم 16 تكون معي ،والثانية من طراز " كلاشنكوف أخمس" يكون مع الأخ غ أ ط ، وبندقية من طراز " جاليلي مع الأخ منذر الدهشان _فك الله أسره_ ، وبندقية من طراز إم 16 طويلة مع السائق المحترف الأخ ع ح ، وهو مهاجم في نفس الوقت .
هذا بالإضافة إلى سيارة من نوع بيجو 504 مجهزة بكل ما يلزم لتنفيذ العملية ، وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة وجود أكثر من سائق محترف في أي عملية عسكرية تحسباً من تعرض السائق للإصابة أو الاستشهاد .
يوم تنفيذ العملية :
كما أسلفنا فإن العملية جاءت رداً على استشهاد أربعة من مجاهدينا في مدينة الخليل ، وقد جاء التخطيط والتنفيذ لهذه العملية مختلفاً هذه المرة ، إذ بدأنا في تجهيز أنفسنا في وضح النهار عند العصر تقريباً ، وما إن انتهينا من تجهيز أنفسنا وأسلحتنا والاستعداد التام ،حتى حان آذان المغرب فصلينا المغرب ، ورفعنا أكفنا إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء ، ورجوناه أن يوفقنا ، وأن يسدد رمينا ، وأن يرزقنا الشهادة مقبلين غير مدبرين ، ثابتين غير مبدلين ، وانطلقنا بعدها صوب مكان العملية ، وما إن وصلنا المكان حتى قمنا بإجراء عملية استكشاف سريعة لمكان تنفيذ الهجوم ، وما إن وصلنا إلى مدرسة صلاح الدين بمحاذاة شارع الوحدة حتى اصطدمنا بكمين عسكري محكم يشبه فكي الكماشة ، حيث كان الجنود متمترسين خلف أحجار إسمنتية على جانبي الطريق ، وقد كانت المسافة بيننا وبينهم لا تتجاوز العشرة أمتار حين رأيتهم وأنا بجانب السائق ، وعلى الفور أمرت السائق بالتوقف والرجوع فوراً للخلف ؛ لعدم وجود طرق فرعية ، بينما أخرجت نصفي العلوي من النافذة وفاجأتهم بإطلاق النار بكثافة نحوهم قبل أن يتمكن أيٍ منهم من التحرك من مكانه ، وفي أثناء ذلك اصطدمت السيارة أثناء رجوعها بسرعة للخلف بعمود للكهرباء فتوقفت تماماً عن الحركة ، وفي هذه الأثناء نفذت ذخيرتي ، وقد كنت أتوقع أن يقوم أحد الإخوة بمساعدتي في التغطية على الانسحاب ، ولكنه تبين أنهم اعتقدوا بأن مصدر إطلاق النار هو جنود الاحتلال ، فلم يردوا وإنما أخذوا ساتراً أمنياً داخل السيارة ، وهنا لابد من القول بأنه يتحتم على كل من يمارس العمل المسلح أن يكون دائماً على درجة عالية من اليقظة والحذر ، وأن يكون مهيئاً من الناحية النفسية لمواجهة أي طارئ ، وأن يتمتع بسرعة البديهة ، وهدوء الأعصاب ، والتخلص من الخوف في مثل هذه الحالات ، فالعدو ليس إلا شخص مثلك ، وتحمل سلاحاً كما يحمل هو سلاحا ، ولكنك تزيد عنه بأقوى وأعظم سلاح ، وهو الإيمان بالله واستشعار معيته ، والفرق الأهم هو أنه يطلب الحياة ويحرص عليها ، في حين تطلب أنت الموت وقد خرجت من أجله ، إذاً ففيم الوجل والارتباك في هذه المواقف التي يتجلى فيها شعارنا الخـالد
" الموت في سبيل الله أسمى أمانينا " ؟! .
وبالعودة إلى الموقف الرهيب الذي حدث معنا جراء اصطدام السيارة بعمود الكهرباء وتوقفها ، فقد كان الجنود في هذه اللحظة لا يبعدون عنا أكثر من 20 متراً ، وعلى الفور أمرت جميع الإخوة بالقفز من السيارة والانسحاب بسرعة ، وما إن نزل الإخوة من السيارة حتى كان رصاصهم كالمطر ينهمر فوق رؤوسنا وعلى سيارتنا المتوقفة التي تناثر زجاجها وتفتح جسم السيارة بالثقوب بفعل الرصاص ، في هذه اللحظات لم أتمكن من النزول من الباب الذي أجلس بجانبه ؛ لأنه انبعج بسبب الاصطدام ، فمكثت برهة من الوقت والرصاص يمر من فوق رأسي ومن أمام وجهي ، حتى تمكنت أخيراً من التسلل للباب المجاور وفتحته وقفزت منه ناجياً بأعجوبة لا يعلمها إلا الله ، وانطلقت بسرعة مذهلة غرباً باتجاه مسجد السيد هاشم ، وقد كانت هناك مياه تنساب على الأسفلت ، فتزحلقت قدمي ووقعت بندقيتي ، فنهضت بسرعة والتقطتها وواصلت الانسحاب ، فإذا بي أتزحلق مرة أخرى وتقع البندقية فألتقطها، وأواصل الانسحاب ، وفي هذه الأثناء لم يتوقف إطلاق النار من قبل الجنود حتى وصلنا _ أنا والأخ غ أ ط _ إلى مفرق السدرة شمالاً وهناك التقطنا بعض أنفاسنا ، وبسرعة قمنا بتغيير مخازن أسلحتنا التي فرغت ، وأخذنا نطلب المساعدة من الناس الذين بدا عليهم الذهول والغرابة من هول ما يشاهدون، فقد كانوا أمام مشـاهد مثيرة مـن أفلام الحـرب الأمريكية.
في هذا الوقت مرت سيارة حديثة من نوع " هندا " فطلبنا من صاحبها تركها والنزول بسرعة ، فنزل منها وعلى الفور انطلقت بالسيارة بسرعة جنونية ، بينما أخذ الأخ غ يطلق النار للتغطية الأمنية ، وقد تجمعت كميات كبيرة من الجيش وحرس الحدود للبحث عنا وتمشيط المكان ، وفي هذه الأثناء كان الأخوان منذر الدهشان والأخ ع ح قد انسحبا بسيارة مرسيدس متجهين غرباً نحو قواعدنا الآمنة في منطقة اليرموك ، وما هي إلا لحظات حتى غادرنا نحن المنطقة بأكملها ، وتوجهنا إلى هناك ، وفور وصولنا أمرت الإخوة بتنظيف السلاح وتجهيزه لأي طارئ قد يحدث ، في حين أمرت أحد الإخوة المساعدين بأخذ السيارة "الهندا" ووضعها بالقرب من مسجد فلسطين _ كما وعدنا صاحبها _ ثم التوجه إلى مكان الحادث لتفقد الوضع عن بعد ، وإبلاغنا بالأخبار ، كل هذا بينما أخذت أضمد جراحي التي بدأت تؤلمني بعد أن هدأت حواسي ، ولم أكن أصدق أننا على قيد الحياة .
عاد الأخ المساعد ليبلغنا بأن المكان يمتلئ بالجنود ، وأن سيارتنا مثل " المنخل " من كثرة ما أصابها من الرصاص ، والحقيقة أنه ليس من تفسير لما حدث سوى أنها معجزة إلهية أراد الله من خلالها أن يعلمنا بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا ، وما أخطئنا لم يكن ليصيبنا ، وبأن مسألة الموت والحياة لا تتحكم فيها المعركة ، وإنما هي بيد الله وحده ، وما دامت هذه الحقيقة بين أيدينا فإن هذا يدفعنا لاقتحام مواطن الموت بصلابة ، وعزيمة واعتماد على الله الواحد القهار ؛ لأن المشهد لا يمكن أن يوصف بالكلام ، أو تجسده الكتابة ، فلقد أجمع كل الإخوة الذين شاركوا في هذه العملية بأنه لم يكن هناك احتمالٌ لخروجنا أحياء من السيارة ، حتى أننا كنا نتمازح فيما بيننا ونقول : " لقد خرجنا من الموت بكفالةٍ ربانية " .
وهنا يجب التنبيه إلى أنه من الضروري خروج أكثر من سيارة عند القيام بأي هجوم مسلح ، وذلك احتياطاً لأي طارئ .
الحلقة السابعة : عملية شارع عمر المختار الجريئة
جاءت هذه العملية استمراراً لسلسلة العمليات الفدائية التي أعقبت استشهاد القائد عماد عقل _ رحمه الله _ ، وتأكيداً على استمرار خيار المقاومة والتحدي حتى النهاية ، فقد وردت إلينا معلومات من جهاز الرصد القسامي تفيد بأن دورية عسكرية مكونة من جيبين كبيرين لنقل الجنود يحتويان على ستة عشر جندياً تمر في الساعة السادسة يومياً من ميدان فلسطين باتجاه الشرق نحو عمارة " أبو رحمة " مقابل المسجد العمري الكبير ، ومهمة هذه الدورية هي التمركز فوق سطح العمارة لمراقبة نشطاء الانتفاضة والقبض عليهم ، وبعد أن تأكدت المعلومات لدينا قمنا بعملية استطلاع سريعة لخط سير الهدف ، وتحديد الموقع المناسب لتنفيذ الهجوم ، وعلى الفور وضعنا خطة عسكرية لتنفيذ العملية ، وقد كانت كالتالي :
خطة الهجوم العسكرية :
كانت الخطة تعتمد أساساً على كمين ثابت ومحكم ، حيث نقوم بالتمركز في شارع فرعي مطل على شارع عمر المختار _ خط سير الدورية _ ونكون جاهزين بكامل أسلحتنا استعداداً للهجوم ، وبمجرد مرور الدورية نقوم بمهاجمتها عن قرب ، وتفريغ ذخيرتنا فيها ، ثم ننسحب باتجاه سوق الزاوية المحاذي للمسجد العمري ، ومن هناك إلى شارع الوحدة ، حيث تنتظرنا السيارة التي ستقلنا إلى قاعدتنا في منطقة اليرموك .
الهدف المطلوب :
كما أسلفنا فإن الهدف هو عبارة عن جيبين عسكريين لنقل الجنود ، والهدف هو الهجوم على الجيب الأول ، الذي كان يقل ثمانية جنود ، وعدم التعرض للجيب الباور الكبير الذي يرافق الجيب الأول .
العتاد اللازم لتنفيذ الهجوم :
تقرر أن يشارك في تنفيذ هذا الهجوم ثلاثة من المجاهدين ، يحملون ثلاثة بنادق : الأولى من نوع إم 16 أحملها أنا دوماً _ وهي بندقية عماد _رحمه الله _ ، والثانية من طراز جاليلي يحملها المجاهد منذر الدهشان _ فك الله قيده _ ، والثالثة من نوع إم 16 طويلة يحملها الأخ ع ح ، مع كميات كافية من الذخيرة لجميع البنادق ، بالإضافة إلى سيارة من نوع بيجو 505 يقودها الأخ ع ح الذي يعتبر مهاجماً في نفس الوقت .
يوم تنفيذ الهجوم :
كان يوم 26/1/1994 م هو اليوم المحدد لتنفيذ هذه العملية ، وفي ليلة العملية قمنا بتفقد أسلحتنا التي سننفذ بها الهجوم ، وتجهيزها لتكون صالحة للعمل ، وما أن جَنَّ علينا الليل حتى انصرفنا لأداء واجبنا تجاه مولانا ، نطلب منه العون والمدد والسند ، ونلح عليه بالدعاء بأن يسدد رمينا ، ويوفقنا لما نحن فيه ، حتى اقترب الفجر فقمنا وتوضئنا ووقفنا بين يدي الله خلف الأخ المجاهد منذر الدهشان _فك الله أسره_ الذي أمّنا في تلك الصلاة ، وما إن انتهينا من الصلاة والتسبيح حتى رحنا نجهز أنفسنا ونشد أحزمتنا ، ونحمل عتادنا وأسلحتنا ، ثم ركبنا السيارة متوكلين على الله ، وانطلقنا إلى حيث مكان تنفيذ الهجوم ، وانطلقت أمامنا سيارة أخرى لكشف الطريق ، والتأكد من خلوها من أي معوقات ، حتى وصلنا إلى مكان العملية ، وعلى الفور ركنا سيارتنا في أحد الشوارع الفرعية المطلة على شارع الوحدة من الناحية الشمالية لموقع العملية ، ثم ترجلنا من السيارة ونحن نخفي أسلحتنا تحت ملابسنا ، حتى وصلنا إلى ناصية الشارع الفرعي المطل على المكان المحدد لتنفيذ الهجوم ، ووقفنا ننتظر مرور الهدف ،
ولم يطل الانتظار كثيراً فقد جاءت الدورية من ناحية ميدان فلسطين باتجاه الشرق حيث عمارة أبو رحمة ، وذلك في تمام السابعة إلا ربعاً صباحاً ، فأخذنا أقصى درجة من الاستعداد التام لتنفيذ الهجوم ، وعند اقتراب الهدف وعلى بعد خمسة أمتار تقريباً فتحنا نيران أسلحتنا الرشاشة باتجاهه فتوقف تماماً عن الحركة ليصبح على بعد مترين فقط من فوهات بنادقنا ، وحناجرنا تهتف بأعلى صوتها " الله أكبر ، الله أكبر " ، حتى نفذت مخازن أسلحتنا من الرصاص ، فانسحبنا أنا والأخ ع ح ظانين بأن الأخ منذر الدهشان سيقوم بعملية التغطية الأمنية حسب الخطة العسكرية التي وضعناها ، حيث إن مخزن بندقيته يتسع لخمسين رصاصة ، في حين أن مخزن بندقيتي وبندقية الأخ ع ح لا تتسع سوى لثلاثين رصاصة .
وهنا وقعت مأساة فظيعة أدمت قلوبنا جميعاً ، حيث إن الأخ منذر قد تقدم خطوة واحدة للأمام متخطياً الساتر الأمني الذي كان متمترساً خلفه ، فأصيب برصاصة في رأسه وأخرى في عينه ليسقط على الأرض مدرجاً بدمائه ، وفي هذه الأثناء ، وبينما كنا ننسحب أنا والأخ ع ح فقدنا الأخ منذر ، فرجعنا فوراً إلى المكان فوجدناه مخضباً بدمائه وقد ألقي جثة هامدة على الأرض ، وجنود الاحتلال مستمرون في إطلاق النار بشكل جنوني ، فقمت على الفور بتغيير مخزن بندقيتي ، وأخذت أطلق النار بشكل جنوني نحو الجنود للتغطية الأمنية ، بينما حاولنا إنقاذ الأخ المجاهد منذر ، ولكن دون جدوى ، حيث كان إطلاق النار من قبل الجنود كثيفاً جداً ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فقد اعتقدنا بأن الأخ منذر قد صعدت روحه إلى بارئها ؛ لأنه لم يحرك ساكناً ونحن نصرخ عليه ، وعندها قررنا الانسحاب بأقل خسائر ممكنة تاركين الأخ منذر غارقاً في دمائه وسط زخات عمياء من نيران جنود الاحتلال ، خصوصاً وأننا قريبون جداً من مركز الشجاعية العسكري الذي تخرج منه تعزيزات عسكرية تغطي كافة المناطق المجاورة للمركز .
استطعنا بفضل الله مغادرة مكان الهجوم ، وواصلنا انسحابنا نحو سيارتنا التي تنتظرنا بالقرب
من شارع الوحدة ، فركبناها متوجهين غرباً نحو منطقة اليرموك ، حيث مكاننا الآمن.
وصلنا إلى هناك وقد بدت علينا مظاهر الحزن الشديد على فقدان أخينا العزيز منذر ، فقد أصبنا بمصابٍ جللٍ فيه معتقدين أنه قد نال الشهادة ، ولكن الفاجعة الكبرى كانت حين أعلنت إذاعة العدو : بأن هجوماً مسلحاً قد نفذ صباح هذا اليوم ، وقد أسفر الهجوم عن إصابة خمسة من جنود الاحتلال بين متوسطة وطفيفة ، وقد أصيب أحد منفذي الهجوم بإصابات بالغة نقل على أثرها إلى المستشفى العسكري داخل إسرائيل لتلقي العلاج ، وقد عثر بحوزته على بندقية ومصحف وخنجر ، وقد وقع علينا هذا الخبر كالصاعقة ، حيث كنا نرى أن الشهادة أفضل بكثير من السجن ، وبطبيعة الحال قمنا على الفور بأخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة ، فقد قمنا بتغيير جميع المخابئ والبيوت التي يعرفها منذر ، وغيرنا جميع ملاجئ تخزين السلاح ؛ وذلك لتفادي توجيه العدو أي ضربة لنا نتيجة اعترافات متوقعة من طرف الأخ منذر نتيجة التحقيقات القاسية التي كان يتبعها جهاز المخابرات الصهيوني ضد مجاهدي كتائب القسام ، وبالفعل وقع ما كنا نحذر ، فبعد أيام قليلة من اعتقال منذر قامت قوات الاحتلال باعتقال جميع الإخوة الذين كنا نبيت عندهم ، ويقدمون لنا العون والمساعدة .
الحلقة الثامنة : عملية برج المراقبة بسرايا غزة :
جاءت هذه العملية بعد أن وردت معلومات من جهاز الرصد التابع لكتائب القسام تفيد بإمكانية تنفيذ هجوم مسلح على الجندي الموجود داخل برج المراقبة في الجهة الجنوبية الشرقية لسرايا غزة ، حيث أفادت المعلومات بإمكانية تنفيذ الهجوم من خلف براميل الإسمنت التي كان اليهود يغلقون بها الشوارع ، وبطبيعة الحال فلم أتردد في الموافقة ، وعلى الفور قمت بعملية استكشاف سريعة لموقع الهجوم ، وحددنا مكان إطلاق النار ، وخط الانسحاب ، وعلى الرغم من صعوبة تنفيذ العملية ، إلا أنني وافقت على تنفيذها ؛ لقلة البدائل في ذلك الوقت ، وكذلك لأننا أردنا ألا ينعم اليهود بالأمن والطمأنينة ، حتى في أبراج المراقبة التي يعتبرونها آمنة .
وقد قررت أن أقوم بمفردي بتنفيذ الهجوم في اليوم التالي الساعة السادسة صباحاً ، حيث خلو الشوارع من المارة ، مما يسهل عملية الانسحاب ، وكذلك لتجنيب الناس إطلاق النار من قبل الجنود ، سيما وأن الهجوم سيكون ضد أكبر وأخطر موقع عسكري في غزة ، وهو نقطة انطلاق لقوات العدو .
الخطة العسكرية :
قررت تنفيذ الهجوم من فوق البراميل الإسمنتية التي تغلق الشارع المقابل لبرج المراقبة المستهدف ، وعندما أكون في وضع المتمكن أقوم بفتح النار على جندي الحراسة ، وبعد أن أفرغ فيه مخازن بندقيتي أقوم بالانسحاب فوراً إلى حيث السيارة التي تنتظرني بجوار الحاجز الإسمنتي ، ومن ثم إلى قاعدتنا الآمنة في حي التفاح .
العتاد اللازم لتنفيذ العملية :
كان الأمر يتطلب مهاجماً واحداً _ هو أنا _ ومعي بندقية من نوع إم 16 مطورة مزودة بستة مخازن من الذخيرة احتياطاً لأي طارئ ، بالإضافة إلى سيارة من نوع بيجو 504 مع سائق ماهر .
يوم تنفيذ العملية :
ما إن خيم عليّ ظلام ليلة تنفيذ الهجوم ، حتى لجأت إلى حصني المنيع ، وملاذي الآمن ، حيث الخوف والرجاء ، والطمع والدعاء . مكثت معه طيلة الليل أدعوه وأطلب منه العون والتوفيق ، والسداد في الرأي والرمي ، حتى طلع الفجر ، فصليته ، وانصرفت إلى سلاحي أتفقده ، وأنظفه وأجهزه ، وقمت بتفقد الرصاص واحدة تلو الأخرى ، وبعد أن فرغت من ذلك جهزت نفسي جيداً فلبست حذائي ، وامتشقت سلاحي وانتظرت حتى جاءت السيارة ، وعندما هممت بركوبها ، وإذا بالأخ كمال كحيل _ رحمه الله _ يمر عنا راكباً عربة حصان ، فرآني وسألني أين العزم ؟ فقلت له : ذاهب لتنفيذ هجوم مسلح على برج مراقبة سرايا غزة ، فنزل على الفور ، وأقسم ألا يتركني حتى يرافقني في تنفيذ هذا الهجوم ، ولم أفلح في إقناعه بعدم جدوى المشاركة ؛ لأن الهجوم لا يحتاج لأكثر من مهاجم واحد ، فاصطحبته ومضينا نحو مكان العملية ، فأجرينا استطلاعاً سريعاً ، ثم تسلقت الحاجز الإسمنتي ، وطلبت من الأخ كمال رحمه الله أن يقوم بعملية
التغطية الأمنية أثناء الانسحاب ، وعند تمكني من إطلاق النار فاجأت الجندي بوابل من الرصاص باتجاهه ، حتى نفذت ذخيرتي ، ثم قفزت على الأرض وأسرعت نحو السيارة ،
بينما أخذ الأخ كمال بإطلاق النار في الهواء للتغطية عليّ ، ثم ركبنا السيارة وانطلقنا مسرعين باتجاه شارع عمر المختار ، ومن ثم إلى منطقة التفاح ، حيث قاعدتنا الآمنة هناك ، وعند سماع الأخبار جاء في نشرة أنباء العدو بأن هجوماً مسلحاً قد وقع صباح اليوم ، ولكنه لم يسفر عن إصابات في صفوف قوات الجيش ، وبطبيعة الحال لم نعلن نحن عن هذه العملية لقناعتنا بأنه لم يصب أحد من جنود العدو بجروح ، وقد عوّدنا شعبنا على الإعلان عن عمليات كبرى ، فلم نشأ أن نعلن عن هذه العملية حياءً من الناس
ولكنها أدت غرض الله في قوله :
( ترهبون به عدو الله وعدوكم ) الأنفال 60
الحلقة التاسعة : عملية سينما النصر :
جاءت هذه العملية بقدر من الله ، ومن غير تخطيط ولا إعداد مسبق ، حيث كنت في طريقي من منطقة الصبرة متوجهاً إلى حي الشيخ رضوان ، وقد كنت معتاداً أن أسلك طرقاً فرعية لتحاشي الوقوع في مصائد الحواجز الطيارة التي يضعها العدو بصورة مفاجئة على الطرق الرئيسية ، وقد اعتدت كذلك على التنقل في الصباح الباكر لتفادي زحمة الطريق ، وبينما كنت أسير بصحبة سائق السيارة الأخ و ن في أحد الطرق الفرعية المؤدية إلى شارع عمر المختار بالقرب من سينما النصر ، وإذا بدورية عسكرية راجلة قوامها 12 جندي تمر من شارع عمر المختار بالقرب من مبنى السينما ، وقد اصطف الجنود على صفين كل منهما على أحد الأرصفة ، وكانوا متوجهين نحو الشرق على بعد عشرة أمتار منا ، بينما كنا متوجهين شمالاً ، فأمرت السائق بالتوقف بعيداً عن الجنود ، واستشرته قائلاً : ما رأيك في تنفيذ عملية سريعة الآن ، فقال لي : توكل على الله ، وعلى الفور ترجلت من السيارة مسرعاً باتجاه الجنود ، واتخذت من جدار أحد المنازل ساتراً أمنياً ، وجلست على ركبة ونصف ، وما أن ظهر الجنود ، ومن على بعد ستة أمتار فتحت نيران بندقيتي
باتجاههم مركزاً على الجندي الأول في الدورية ، وقمت بتفريغ كامل مخزن بندقيتي في رأسه وصدره ؛ لأضمن مقتله تماماً ، وبالفعل سقط صريعاً أمام عيني مدرجاً بدمائه ، حيث كانت إصابته مباشرة ولا ريب فيها ، وقد أصاب جسده ما لا يقل عن خمس عشرة رصاصة _ إن لم يكن أكثر _ ، وبعد أن نفذت ذخيرتي أسرعت إلى السيارة التي تنتظرني ، وركبتها مسرعاً وتوجهنا شمالاً ، وعلى الفور قمت بتغيير مخزن بندقيتي وأطلقت النار للتغطية على الانسحاب وأنا أصرخ بشكل جنوني في وجه السائق :
( لقد قتلته ، لقد قتلته ) ، حتى وصلنا إلى منطقة الشيخ رضوان ، حيث ملاذنا الآمن ، وعلى الفور استرحنا ، وقمت بتنظيف سلاحي ، وشحن الذخيرة في مخازن البندقية ، وقد كنت مهتماً بسماع الأخبار ؛ لأنني متأكد من مقتل الجندي الأول ، وقد جاءت نشرة أخبار العدو ، ولم تذكر شيئاً عن الهجوم فتميزت غيظاً ؛ لأنني لا أشك مطلقاً في مقتل الجندي ، وما هي إلا بضع ساعات _ وفي نفس اليوم _ وإذ بإذاعة العدو تذكر نبأ مقتل جندي في غزة نتيجة صعقة كهربائية أثناء قيامه بأعمال الدورية في شارع عمر المختار _ وهو نفس الشارع الذي نفذت فيه الهجوم ، فتأكد لي أنه الجندي الذي قتلته برصاصي في الصباح ، ولكن العدو أراد التغطية على الخبر ؛ للتخفيف من حالة الغليان في صفوف جيش العدو .
الحلقة العاشرة : عملية برج المراقبة العسكري بحي الشيخ رضوان
جاءت هذه العملية بمحض القدر ، ومن دون رصدٍ أو تخطيط ، حيث إننا كنا ننوي تجريب قطعة سلاح من نوع " جاليلي " اشتريناها حديثاً ، واقترحت على الإخوة تجريبها في عملية بسيطة ضد جندي الحراسة الذي يحرس الموقع العسكري الكبير المجاور لمحطة الوقود مقابل حي الشيخ رضوان بغزة ، والواقع على خط النصر العام ، فوافق الإخوة على ذلك ، ومن دون تخطيط مسبق ، أو وضع استراتيجيات عسكرية ، أو خطة انسحاب ، فقد ذهبنا إلى هناك مباشرة ، وقد كنا ثلاثة مجاهدين : أنا والأخ ع ح ، والسائق الأخ ب ع ، وقبل أن نصل إلى المكان قمنا بتغيير أرقام السيارة كإجراء أمني احتياطي ، وما إن وصلنا حتى نزلت من السيارة وفي يدي قطعة السلاح التي نريد تجريبها ، وبسرعة البرق فتحت النار على الجندي الذي كان قد نزل لتوه من البرج ووقف على تلة رمل بجوار البرج ، حيث أصبح هدفاً سهلاً ، وظللت فاتحاً النار عليه حتى نفذ مخزن بندقيتي ، فانسحبت بسرعة تاركاً الجندي يتمرغ في دمائه ، وقد لف الموقع العسكري ظلام دامس ، حيث أصابت إحدى رصاصاتي مولد الكهرباء فانفجر محدثاً صعقات كهربائية هائلة انقطع على أثرها التيار الكهربي في الموقع ، وقد أحدث هذا إرباكاً شديداً في صفوف الجنود الذين تدافعوا خارج الخيام وأخذوا يطلقون النار بشكل جنوني وعشوائي ، وعلى أي حال ،
فقد تركنا الموقع وهو أشبه بساحة حرب ، وانطلقنا مسرعين نحو إحدى قواعدنا في منطقة الزرقاء قرب جباليا ، وقد تولى الأخ ع ح مسئولية التغطية الأمنية خلال الانسحاب ، وبعد أن وصلنا وكنا في غاية السعادة فقد جربنا سلاحنا ، وأصبنا عدونا ولله الحمد والمنة ، وقد زاد من سعادتنا إعلان إذاعة العدو نبأ الهجوم ، وإصابة أحد الجنود بجراح خطرة نقل على أثرها بطائرة عمودية لمستشفي هداسا للعلاج ، وبطبيعة الحال فلم نعلن مسئوليتنا عن هذه العملية ؛ لأنها لم ترق إلى مستوى العمليات التي اعتاد شعبنا على سماعها ، حتى نبقى كباراً في أعين شعبنا .
الحلقة الحادية عشرة : عملية مقر الحاكم العسكري بغزة :
جاءت هذه العملية بمثابة وداع لجيش الاحتلال في وقتٍ كانت الاستعدادات على قدمٍ وساق لانسحاب قوات العدو من غزة ، حيث كان آخر يوم لهم في القطاع ، وقد كانت عفوية وسريعة ومن دون تخطيط أو إعداد مسبق ، فقد انطلقت مع أحد الإخوة المجاهدين بسيارة بيجو 404 نبحث عن صيدٍ ثمين ، وبينما نحن كذلك إذ مررنا من أمام مقر الحاكم العسكري المجاور للجندي المجهول ، حيث كان ستة من الجنود يقيمون حاجزاً عسكرياً ، فأمرت السائق بالتوقف ، وعلى الفور ترجلت من السيارة ، وأخذت موقعي المناسب لإطلاق النار .
كانت الساعة قد شارفت على السابعة والنصف بعد صلاة المغرب ، فوضعت الرصاصة في بيت النار ، وفاجأت الجنود بوابل من الرصاص عن بعد عشرين متراً تقريباً حتى فرغ مخزن بندقيتي ، وفي اللحظة التي قمت فيها بتغيير مخزن البندقية قام جنود الحاجز بالرد على مصدر إطلاق النار ، فقتل أحد المواطنين برصاصة طائشة من أحد الجنود ، وبسرعة فائقة قمت بالانسحاب من المكان وأنا أطلق النار في الهواء للتغطية الأمنية ، وركبت السيارة ، وانطلق بي السائق شمالاً نحو شارع الوحدة ، ومن ثم باتجاه مسجد فلسطين ، ومن هناك إلى مخبئنا في منطقة الشيخ رضوان ، وقد أعلنت إذاعة العدو نبأ الهجوم ، غير أنها لم تعلن عن وجود إصابات في صفوف جيش العدو ، وذكرت بأن أحد المواطنين قتل نتيجة رد جنود الحاجز على مصدر النار وبطبيعة الحال لم نعلن نحن من جهتنا عن العملية ؛ لأنها لم ترق إلى المستوى المطلوب للإعلان .
الحلقة الثانية عشرة : عملية مركز جباليا :
وردت معلومات من جهاز الرصد تفيد بأن هناك جنديين يقفان كل يوم أمام مركز جباليا العسكري مهمتهما ملاحقة راشقي الحجارة من طلاب المدارس المقابلة للمركز ، وعلى الفور قمت بصحبة سائق السيارة الخاصة بنا بعملية استطلاع سريعة ؛ لمعاينة المكان وتحديد نقطة إطلاق النار ، وكذلك خط الانسحاب .
كان ذلك قبل انسحابهم من جباليا بيوم واحد ، حيث قمنا بتغيير أرقام لوحة السيارة كإجراء أمني حتى لا تنكشف السيارة ، وما إن وصلنا إلى المكان وعلى بعد سبعين متراً تقريباً أمرت السائق بالتوقف والانتظار ، بينما نزلت أنا من السيارة ، ومشيت سيراً على الأقدام باتجاه الهدف ، حتى أصبحت على بعد عشرة أمتار تقريباً ، وفي اللحظة التي كنت فيها أمام الجنود وجهاً لوجه أمطرتهم بوابل كثيف من الرصاص ، وقد رأيتهم بعيني رأسي يسقطون على الأرض ، وفي أثناء إطلاق النار وإذ ببندقيتي تتوقف تماماً ، ولم تفلح ثلاث محاولات مني في إصلاحها ، وبينما أحاول إصلاحها ، إذ رأيت جنوداً يخرجون من داخل المعسكر بملابسهم الداخلية ، وهم يصرخون ويصوبون بنادقهم نحوي مباشرةً ، ولم يكن أمامي سوى الانسحاب بسرعة من المكان ، وما هي إلا ثوانٍ حتى كانت زخات الرصاص كالمطر تنطلق نحوي ، فضاعفت من سرعتي باتجاه السيارة التي تنتظرني ، فركبتها وانطلقنا مسرعين شمالاً باتجاه مخيم جباليا ، وعندما وصلنا بحمد الله قمت بتفكيك بندقيتي لمعرفة سبب الخلل ،فوجدت رأس رصاصة يسمى " المقذوف " قد علق في فوهة البندقية فحال دون إطلاق الرصاص من البندقية ، وذلك يعود إلى عطب في الرصاصة نفسها ، وعلى الفور قمت بإصلاح العطب والإسراع إلى سماع إذاعة العدو التي اعترفت بوقوع الهجوم ، واعترفت كذلك بسقوط جريحين من جنود الحراسة جراحهم بين خطيرة ومتوسطة ، ومما أثار استغرابنا وتقززنا أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد أعلنت مسئوليتها عن العملية على لسان جناحها المسلح المسمى بالنسر الأحمر ، وذلك عبر الكتابة على الجدران ، وإصدار بيان خاص يتبنى الهجوم ، ومن جهتنا لم نعلن رسمياً عن العملية لعدم وقوع قتلى في صفوف العدو ، وبالتالي عدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب للإعلان ، ولكننا أرسلنا إلى الإخوة في جهاز الإعلام بضرورة تعميم خبر هذه العملية في جميع مساجد القطاع ، حتى ندحض افتراءات الجبهة الشعبية وغيرها ممن يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا .
الحلقة الثالثة عشرة : عملية صهريج الوقود على الخط الشرقي لمدينة غزة
جاءت هذه العملية البطولية الجريئة امتداداً طبيعياً لنواة الجهاد الأولى التي أرساها رسول الله ( في أول غزواته " بدر الكبرى " ، فلم نشأ أن تمضي ذكرى أول مواجهة بين الخير ممثلاً برسول الله وصحابته الكرام ، وبين الشر ممثلاً بكفار مكة دون أن نحيي أثرها بعملية نوعية جريئة تعيد الأمل ، وتحيي جذوة الجهاد في النفوس ، فقد كلفت بعض الإخوة في جهاز الرصد برصد الهدف وتقديم معلومات مفصلة عنه ، واستمر الرصد أكثر من أسبوعين ، حتى تأكدنا من صحة المعلومات ودقتها ، فقمت على الفور بعملية الاستكشاف المعهودة _ وهذه ضرورية جداً قبل تنفيذ أي هجوم _ عاينت من خلالها المكان جيداً ، ووضعنا خطة ميدانية سريعة ، وحددنا خط الانسحاب ، ورتبنا كل شيء .
الخطة العسكرية :
كانت الخطة العسكرية تعتمد بالأساس على نصب كمين متحرك من داخل سيارتنا ، حيث يأتي الهدف من جهة معبر " ناحل عوز " شرقاً ويتجه شمالاً نحو محطة حمودة على الخط الشرقي ، واقتضت الخطة بأن نسير خلف الهدف ، حتى إذا صرنا على مسافة عشرين متراً من الشارع الفرعي الذي سننسحب منه قمنا بتجاوز الهدف بسرعة ومفاجأته بإطلاق النار من النوافذ اليمنى للسيارة ، ثم الانسحاب السريع من الشارع الفرعي ، ونتجه غرباً حتى نصل مفرق جباليا البلد ، ومن هناك إلى حيث قواعدنا الآمنة بحي الشيخ رضوان .
الهدف المطلوب :
كان الهدف المقصود عبارة عن سيارة إسرائيلية مدنية من نوع " تيوتا " يستقلها اثنان من شركة حراسات إسرائيلية خاصة مهمتهما حراسة شاحنتين محملتين بالوقود، وبالطبع فقد كان الهدف قتل الاثنان ، والاستيلاء على سلاحهما إن أمكن .
يوم تنفيذ العملية :
مع قدوم الليل لجأنا إلى حصننا المنيع ، وانقطعنا عن كل ما يربطنا بهذه الدنيا ، واتصلنا مباشرة بالآخرة لنحيا في كنف الإله لحظاتٍ هي من أشد لحظات الحياة شفافية على القلوب ، بل ومن أعظمها تأثيراً على النفوس ، فكنا مثل المولد الكهربي الذي يتم شحنه بالليل ؛ ليعمل بالنهار .
كنت أنظر إلى إخواني المجاهدين بالليل وهم بين يدي الله ركعاً سجداً خشعاً لله ، وأنظر إليهم في النهار وهم أسودٌ يطاردون أعداء الله من شارع إلى شارع ، ومن حارةٍ إلى حارة ، فأتذكر قول من وصف صحابة رسول الله
( بأنهم :" رهبان الليل ، فرسان النهار " .
مكثنا على حالنا مع مولانا طيلة الليل نتقوى به من ضعف ، ونستكثر به من قلة ، ندعوه ونستجير بحماه ، ونطلب منه العون والتأييد ، والظفر بإحدى الحسنيين ، حتى طلع الفجر فصليناه في جماعة ، ثم انصرفنا إلى أسلحتنا ننظفها ونتفحصها لنتأكد من صلاحيتها تماماً للعمل ، والاطمئنان إلى عدم وجود أي خلل ، ثم حملت بندقيتي 16 m ومسدسي الشخصي ، شددت حزامي ، ولبست حذائي ، وركبت سيارتي متوجهاً إلى دير البلح حيث يسكن الأخ غ أ ط الذي لا يعلم أنه سيشاركني بعد قليل في عملية عسكرية ، وما إن وصلت إلى بيته حتى طلبت منه تجهيز نفسه ، وأخبرته بأننا سنقوم بتنفيذ هجوم مسلح بعد قليل ، والحقيقة أن الأخ غ تفاجأ لعدم معرفته مسبقاً بالأمر ، ولكنه كان مثالاً للجندي المتأهب دائماً لخوض المعركة ، الضاغط دائماً على زناد سلاحه ، فلم يتردد في الخروج معي ، فذهبنا إلى الأخ م ح ليقود السيارة في الهجوم ، ثم انطلقنا إلى بيت الأخ ع ع في مخيم النصيرات ، وطلبنا منه أن يعطينا بندقيته الخاصة به لتنفيذ المهمة ، فوافق دون تردد ، وطلب منا أن نوصله إلى غزة ؛ لينتظرنا هناك ريثما تتم العملية ، فأنزلناه في غزة ، وانطلقنا نحو مكان تنفيذ الهجوم ، وعلى عجلٍ قمت بتقديم شرح مفصل وسريع للأخ غ ، والأخ م حول تفاصيل الخطة ، ومهمة كلٍ منهما في العملية ، فأبديا استعداداً كافياً .
كنت أجلس بجانب السائق ، وخلفي الأخ غ ، وما هي إلا لحظات حتى أقبل هدفنا مهلهلاً من بعيد ، لا يدري أنه يسير نحو حتفه ، وأنه سيتجرع كأس المنون بعد لحظة .
كانت القافلة مكونة من سيارة للأمن الوقائي الفلسطيني تسير في المقدمة لحراسة القافلة الإسرائيلية ، وخلفها سيارتا الشحن المحملتان بالوقود ، وخلفهما كان يسير هدفنا الموعود ، وهو عبارة عن حارسين إسرائيليين بداخل سيارة " تيوتا " حمراء اللون .
أفسحنا المجال للقافلة كي تمر عنا ، ثم سرنا خلفها باتجاه الشمال حيث محطة حمودة للوقود ، وعندما أصبحنا على بعد حوالي عشرين متراً من الشارع الفرعي الذي سننسحب منه ، أمرت السائق بتجاوز الهدف ، ومحاذاته عن قربٍ شديد ، فلم يدع بينه وبين الهدف سوى عدة سنتيمترات قليلة ، وعندها بدأت أنا والأخ غ بإطلاق النار نحو رؤوس الحارسين مباشرة ، وعن مسافة لا تتجاوز العشرين سنتمتر ، ودوي رصاصنا يمتزج مع صوت هتافنا
" الله أكبر ، الله أكبر " حتى أفرغنا رصاص مخازن بنادقنا في رؤوس الحارسين بشكل مباشر ، وعندها أمرت السائق بزيادة السرعة ؛ لتجاوز الشارع الفرعي الذي سننسحب منه ، فأمرته بالتوقف بسرعة والعودة إلى الوراء ، بينما أخذت أنا والأخ غ بإطلاق النار بشكل عشوائي باتجاه الهدف وذلك من أجل تأمين الانسحاب ، ومكثنا على ذلك حتى استطعنا بفضل الله وعونه من مغادرة المكان بسلام ، ثم اتجهنا نحو جباليا البلد ، ومن هناك إلى قاعدتنا في حي الشيخ رضوان ، وعلى الفور قمنا بتنظيف السيارة من بقايا أعقاب الرصاص ، وتنظيف أسلحتنا استعداداً لأي طارئ ، في حين قام أحد الإخوة بتخزين السيارة في مكان بعيد ، لأن السلطة الفلسطينية أعلنت عن مواصفات السيارة ، بينما استقلينا سيارة أخرى وعدنا إلى حيث ينتظرنا الأخ ع ع ، وهناك ازدادت سعادتنا ونحن نسمع إذاعة العدو وهي تعلن نبأ الهجوم المسلح الذي أسفر عن مقتل أحد الحراس على الفور ، وإصابة الآخر بجروح بالغة الخطورة _ حسب إذاعة العدو _ ، توفي على أثرها فيما بعد ، ونحن متأكدون بأن الاثنين قتلا في نفس المكان ، لكن العدو آثر الإعلان على مراحل من أجل الرأي العام الداخلي ، ومعنويات الجنود
الحلقة الرابعة عشرة : عملية تفخيخ سيارة الشهيد أيمن أبو أمونة :
جاءت هذه العملية الاستشهادية الجريئة رداً على استشهاد القائد المجاهد كمال كحيل _ رحمه الله _ ، حيث امتدت إليه يد الغدر والخيانة ، واغتالته في إحدى الشقق السكنية التي كان يأوي إليها في منطقة الشيخ رضوان ، حيث تم تفجير الشقة التي كان يختبئ فيها ، وعلى الفور فقد عقدنا اجتماعاً في منزل الأخ المجاهد / ع غ في مخيم الشاطئ بحضور الأخ المجاهد س ع ، وتشاورنا حول الطريقة التي سنرد بها على استشهاد الأخ كمال _ رحمه الله _ ، وأجمع الرأي أن يكون الرد مطابقاً للطريقة التي اغتالوا بها شهيدنا ، وهي التفجير ، فقررنا تجهيز سيارة مفخخة يقودها أحد الإخوة الاستشهاديين ليقتحم بها هدفاً كان الإخوة في جهاز الرصد قد أخبرونا عنه في وقت سابق ، وبعد أن تباحثنا حول صلاحية الهدف المطروح ، وإمكانية تنفيذ العملية فيه ، فقد استقر الرأي على أن تكون مهمتي هي تأمين مكان مناسب وآمن لإعداد السيارة وتفخيخها بعيداً عن المناطق المأهولة ، في حين كانت مهمة الأخ المجاهد ع غ هي إحضار الكمية المطلوبة من المتفجرات ، والصواعق الكهربية ، والبدء بتجهيز السيارة ووضع المتفجرات بداخلها ، وربط الأسلاك ، نظراً لأنه صاحب خبرةٍ في هذا المجال ، بينما تكون مهمة الأخ س ع هي تجهيز الأخ الاستشهادي الذي سيقود السيارة وينفذ بها العملية ، وكذلك تصوير شريط فيديو للشهيد قبل التحرك وتدريبه على قيادة السيارة ، وقد اتفقنا مع الأخ س ع أن يحضر لنا السيارة بعد يومين مع مادة يطلق عليها اسم " بيروكسيد " وهي مادة خطرة جداً قد تنفجر في حالة الاحتكاك أو في درجات حرارة ليست بالعالية ، وبالفعل فقد التقينا بعد يومين في منزل الأخ ع غ ، بعد أن أنجز كلٌ منا مهمته الموكلة إليه ، ثم انطلقنا حاملين معنا المتفجرات اللازمة والصواعق الكهربائية ، وبعض قذائف الهاون الكبيرة التي كان الأخ ع غ قد أحضرها ووضعها في السيارة ، وتوجهنا إلى المكان المعد لتفخيخ السيارة ، وقد كان في بيارة زراعية كبيرة تابعة لأحد الإخوة المجاهدين بعيداً عن المناطق المأهولة ، وبمجرد أن وصلنا للمكان قمنا بتكسير الألغام ، وإخراج مادة " تي أن تي " شديدة الانفجار وطحنها ووضعها في عبوات بلاستيكية كبيرة ، وكان الأخ ع غ يقوم بتجهيز الصواعق وتركيبها داخل بوادئ التفجير ، ومن ثم وضعها في المكان المناسب داخل عبوات المتفجرات التي جهزناها ووضعناها فوق السطح لتكون في مقابل رؤوس الأشخاص المحمولين بالهدف ، وفي أثناء قيام الأخ ع غ بتوصيل الأسلاك الكهربائية قال أخشى أن أكون قد أخطأت في التوصيل ، وهنا طلبت منه أن يتوقف فوراً خشية حدوث شيء ؛ لأن الخطأ في مجال المتفجرات لا يكلفنا حياة شخص واحد ، بل حياة جميع من في المكان ، ناهيك عن الدمار الذي قد يحدث جراء التفجير ، فوافق الأخ ع غ وتوقف عن العمل ، ثم طلبنا من الأخ س بأن يذهب بسيارتنا البيجو 404 لإحضار الشهيد المهندس يحيى عياش
_ رحمه الله _ لإكمال عملية التجهيز الكهربائية ، فهو كما يعلم الجميع المتخصص رقم واحد في مجال الهندسة الكهربائية ، وما هي إلا لحظات حتى حضر شهيدنا المهندس يحيى عياش وبرفقته الأخ المجاهد ب ع ، فسلمنا عليه وقد بدا سعيدا لإعدادنا لهذه العملية ، وقد أحضر معه جهاز الفحص الإلكتروني الحديث ، الذي يفحص به عملية توصيل الشبكات الكهربائية والتأكد من سلامتها ، وبعد أن شرحنا له ماذا فعلنا بالضبط وإلى أين انتهينا ، طلب منا الابتعاد عنه مسافة خمسين متراً ، ثم باشر العمل بمفرده ؛ ليكون الضحية الوحيدة في حال حدوث مكروه ، وما هي إلا نصف ساعة حتى أتم مهمته ، وقبل أن يغادر شرح لي بالتفصيل كيفية استخدام أزرار التفجير الثلاثة التي ثبتها أسفل مقود السيارة ، ثم ودعنا متمنياً لنا التوفيق والسداد ، وقد صاحبه كل من الأخ ب ع ، والأخ س ع ، وبقيت أنا والأخ ع غ في المكان حيث وضعنا اللمسات الأخيرة على السيارة ، ووضعنا الأعشاب على المتفجرات داخل السيارة لإخفائها ، ووضعنا قذائف الهاون داخل صناديق بيع الخضار ووضعنا فوقها بعض الخضروات ، ثم وضعناها فوق سطح السيارة .
بعد أن تأكدنا تماماً من جاهزية السيارة ، انطلقنا أنا والأخ ع غ للقاء الأخ المجاهد أ د الذي كان ينتظرنا برفقة الأخ الاستشهادي عماد أبو أمونة ، وبالفعل التقينا بهم ، وسلمنا عليهم فطلب مني الأخ عماد _رحمه الله_ أن يتوضأ ويصلي ركعتين يودع بهما هذه الحياة ، ويستقبل بهما وجه مولاه ، فأذنت له بذلك فقام بهدوء وخشوع وتوضأ ، ثم صلى ركعتين ، لا أعتقد أن أحداً غير الأنبياء والسلف الصالح قد أدى مثلهما بهذا الخضوع وهذا الخشوع ، وما إن انتهى من صلاته ، حتى ارتسمت بسمة الرضا على وجهه الذي أشع بنور الشهادة وبدت عليه إماراتها ، ثم تقدم نحونا وعانقنا بحرارة ، ثم طلبت من الأخ أ د بأن يصطحبه ويسبقنا إلى مسجد المعتصم بالقرب من شارع المنصورة بحي الشجاعية قريباً من الخط الشرقي ، بينما عدت أنا والأخ ع غ إلى حيث جهزنا السيارة المفخخة فركبتها، وقبل أن أقوم بتشغيلها تلفظت بالشهادتين تحسباً لانفجارها في أية لحظة ، ثم سرت ببطء شديد ؛ لأننا كنا نسير في شوارع ترابية متعرجة وكان يسير أمامي الأخ ع غ مستقلاً سيارة البيجو ليكتشف لي الطريق ، وقد حافظت على مسافة 150 متراً بين سيارتي وسيارة ع غ حتى إذا انفجرت السيارة أكون الضحية ويسلم الأخ ع غ ، وبقينا على هذا الحال حتى وصلنا إلى مسجد المعتصم ، حيث ينتظرنا الأخ أ د والشهيد الحي عماد أبو أمونة ، وبالفعل وجدناهم بانتظارنا ، فسلمنا عليهم وأمرت الأخ الشهيد عماد أن ينزل من سيارة أ ويركب في السيارة المفخخة ، ثم ركبت بجانبه وسألته عن حال معنوياته وعن استعداده _ وقد حان وقت الصفر لتنفيذ العملية _ ، فرد على بكل ثقة ويقين قائلاً : " إن لساني هو الذي يكلمك ، بينما روحي وقلبي معلقين في السماء " فسررت لهذا الرد الشافي ، وتأكدت من استعداده الكامل لتنفيذ الهجوم ، والحقيقة أنه قد يستعد أي شخص لتنفيذ هجوم استشهادي تحت تأثير العاطفة والحماس ، ولكن ما إن تحن ساعة الصفر ، ويدرك أنه ميت لا محال ، يَهُلْ عليه الأمر ويجبن ثم يتراجع ، فأردت أن أتأكد من صدق نية شهيدنا عماد ؛ لأن أي تردد يفشل العملية ويودي بحياة منفذها .
تفاصيل الخطة :
بعد أن يستكشف الأخ أ د الطريق ، يقوم الأخ عماد بالانطلاق بسيارته المفخخة بسرعة بطيئة من شارع المنصورة باتجاه الخط الشرقي الذي يسير عليه الهدف ، وبعد الوصول للخط الشرقي يسير منفذ العملية بسرعة أكبر مع الحذر الشديد من الوقوع في مطبات أرضية مخافة أن تنفجر السيارة ، وفي أثناء السير على الخط الشرقي يجب مراقبة السيارات التي تسير خلف السيارة المفخخة من خلال المرآة ، حتى إذا رأى منفذ العملية الهدف المطلوب ، يقوم بإفساح الطريق للتجاوز ، وبمجرد اقتراب الهدف من خلفية السيارة يقوم الأخ عماد _ رحمه الله _ بالضغط على الكبسة الأولى والثانية وإفساح الطريق وإبطاء السرعة من أجل إجبار الهدف على التجاوز ، حتى إذا قام الهدف بتجاوز السيارة المفخخة وأصبح بمحاذاتها تماماً ، ينطق الأخ عماد بالشهادتين ، ثم يضغط على الكبسة الثالثة فتنفجر السيارة ، وإذا لم يحضر الهدف حتى محطة أبو جبة للبترول ، فإنه يجب عليه تغيير مساره باتجاه الشمال من ناحية معبر كارني باتجاه مفترق نتساريم شمالاً ، ليصبح في وضع المستقبل للهدف ، حتى إذا اقترب الهدف يضغط على الكبسة الأولى والثانية ، وبمجرد أن يصبح الهدف في مقدمة السيارة يضغط على الكبسة الثالثة ، وأما إذا لم يأت الهدف في المرتين فقد كانت التعليمات للأخ عماد _ رحمه الله _ أن يعود إلينا عند مسجد المعتصم ، فنحن بانتظاره مدة ساعة من بداية انطلاقه ، وقد شددنا على الأخ عماد _ رحمه الله _ ألا ينفذ العملية في هدف بديل إذا لم يأت الهدف المحدد ، وقد طلبت منه الالتزام المطلق بهذه الخطة وعدم تجاوزها بأي حال .
الهدف المقصود :
كان الهدف عبارة عن باص إسرائيلي يقل طلبة مدارس دينية من مستوطنة نتساريم ، وقد أشرف الأخ عماد على عملية الرصد لفترة طويلة ، لذا فهو يعرف الهدف جيداً .
لحظة الصفر :
حضر الأخ أ د من رحلة الاستكشاف القصيرة ليؤكد لنا بأن كل شيء على ما يرام ، وأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح ، في حين كنت قد أنهيت شرح تفاصيل الخطة للأخ عماد _ رحمه الله _ ، وتأكدت بأنه استوعب تماماً كل ما طلب منه ، عندها أمرت الأخ عماد بتشغيل محرك السيارة والانطلاق بعد التوكل على الله عز وجل ، وطلبت من الأخ أ د الانتظار عند المسجد لمدة ساعة تحسباً من عدم تمكن الأخ عماد من تنفيذ المهمة والعودة للمسجد كما هو متفق عليه في خطة العملية ، بينما ركبنا السيارة أنا والأخ ع غ وتبعنا الأخ عماد الذي يقود السيارة المفخخة حتى وصلنا إلى الخط الشرقي ، فتوجه عماد رحمه الله جنوباً بينما توجهنا شمالاً ، واعتلينا تبة صغيرة بجانب سوق الماشية المحاذي للخط الشرقي وأخذنا في مراقبة قدوم الهدف من بعيد ، وقد قمنا بفتح غطاء المحرك للتمويه بأن سيارتنا معطلة ونقوم بإصلاحها ؛ لأن المكان يعج بسيارات الجنود والمستوطنين ، وما هي إلا لحظة حتى رأينا الهدف قادماً من بعيد ، ثم توقف لحظة ونزل منه جميع ركابه واستقلوا أربعة جيبات عسكرية جاءتهم خصيصاً وذلك كإجراء أمني وقائي بعد العملية الاستشهادية التي حدثت قبل قليل ، والحقيقة أنهم نجحوا في ذلك .
تملكنا القلق والحيرة ، ولم نفعل شيئاً سوى أننا أخذنا ندعو الله أن يوفق الأخ عماد في هذه العملية ، فقد تفرق الهدف في آخر لحظة ، وما هي إلا لحظة بسيطة حتى سمعنا دوي انفجار هائل هز أركان المكان ، فقد أدركنا أن الأخ عماد قرر ألا يعود إلى الدنيا ؛ لأنه قد خرج منها، وتعلقت روحه بالآخرة قبل أن ينفذ العملية ، وعلى أي حال فقد حدثت العملية ، وقد رأينا أن من الضروري مغادرة المكان بسرعة خصوصاً ، وأننا سمعنا صوت إطلاق نار كثيف جداً عقب العملية ، فتركنا المكان بسرعة ، وتوجهنا نحو بيت الأخ ع غ في مخيم الشاطئ ، فصلينا الظهر وتناولنا طعام الغداء ، وكنا في غاية اللهفة لسماع أخبار العملية من إذاعة العدو التي أوردت النبأ ، وقالت بأن عمليتين استشهاديتين وقعتا هذا اليوم : الأولى في منطقة كفار داروم ، وقد تبنتها حركة الجهاد الإسلامي ، والثانية في منطقة نتساريم وأسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة عشرة آخرين بجراح بين خطيرة ومتوسطة ، وقد كانت نتيجة العملية غير مرضية بالنسبة لنا بالمقارنة مع توقعاتنا التي كانت بين 15_20 قتيل ؛ لأننا زودنا السيارة بكميات كبيرة جداً من المتفجرات بلغت أكثر من 150 كم ، وعلى أية حال فلم نكن ندري ماذا حدث بالضبط مع الشهيد عماد _ رحمه الله _ كونه وحيداً في العملية ، غير أننا توجسنا من إذاعة العدو التي عرضت مشاهد عن عملية كفار داروم ، ولم تعرض أي مشهد عن عملية نتساريم ، مما ولد لدينا قناعة بأن خسائر اليهود في هذه العملية أكبر من ذلك بكثير ، لذا ظللت مهتماً بمعرفة الأخبار الحقيقة من مصادرها الأصلية إلى أن عثرت ذات يوم على صحيفة إسرائيلية، وقد عرضت صوراً لمنظر جيبين محترقين بشكل كامل وقد قذف بهما الانفجار إلى مسافة تزيد عن عشرة أمتار بين الأشجار داخل بيارة ، وقد بدا منظر الأشجار محترقاً كذلك ، وقد علقت الصحيفة على هذا المشهد بالقول : هكذا يحترق جنودنا في غزة .
الحلقة الخامسة عشرة عملية جحر الديك
ذات يوم جاءني الأخ المجاهد غ أ ط والأخ المجاهد ع ع ر وأخبراني بوجود هدف يمر يومياً على الحدود الشرقية لمدينة غزة بمحاذاة منطقة جحر الديك ، وأنهم توصلوا لذلك بعد جهود مضنية في عملية الرصد ، وقدما شرحاً موجزاً عن موقع مرور الهدف ، وعلى الفور طلبت منهم الخروج سوياً لإجراء عملية استطلاع سريعة للموقع ، وبالفعل تم ذلك ، واستطعنا تحديد الزاوية المناسبة لتنفيذ الهجوم ، وكذلك حددنا خط انسحاب آمن ، وقمنا بوضع خطة عسكرية ميدانية لتنفيذ الهجوم ، والتي كانت كالتالي :
خطة الهجوم العسكرية :
كانت الخطة تقوم أساساً على فكرة نصب كمين ثابت من مكان مرتفع ، وجعل الهدف أسفل منا ، حيث اخترنا تلة صغيرة بمحاذاة الطريق الذي يمر منه الهدف ، وكان عدد المهاجمين خمسة بين كل واحد والآخر خمسة أمتار ، وهذا يعني أن الهدف سوف يبقى مسافة خمسة وعشرين متراً أو ما يزيد تحت نيران بنادقنا ، حيث كنا عازمين على قتل جميع جنود الدورية ، في حين نكون نحن متسترين خلف سواتر رملية وأشجار زيتون .
الهدف المطلوب :
كان الهدف عبارة عن جيب عسكري كبير محمل بستة من الجنود مهمتهم حراسة الحدود بين قطاع غزة ، وبين الأراضي المحتلة عام 48 ، والقيام بعملية قص الأثر ، والمطلوب هو قتل جميع الجنود ومحاولة خطف أسلحتهم .
العتاد المطلوب لتنفيذ العملية :
تقرر مشاركة خمسة من المجاهدين ، مزودين بخمسة بنادق آلية مجهزة بما يكفي من الذخيرة ، وسيارتين من نوع بيجو 404 مجهزتين بسائقين بارعين ، بالإضافة إلى مقص حديد لقص قفل البيارة التي سننسحب منها .
يوم تنفيذ العملية :
بعد أن تسلحنا بهذا المدد الإلهي العظيم ، انطلقنا إلى حيث موقع العملية ، وفور وصولنا إلى هناك نزل الأخ ع ، وقام بقص قفل البيارة ، ثم واصلنا السير حتى وصلنا مسرح العملية ، فطلبت من الإخوة السائقين أن يركنوا سيارتهم ويوجهوها نحو الغرب استعداداً للانسحاب ، بينما نزلت بصحبة الإخوة المجاهدين ومعنا بنادقنا ، وقمت بتوزيعهم على امتداد 25 متراً على شكل سلسلة بشرية كان الأخ غ طرفها من الناحية الشمالية ، وأنا من الناحية الجنوبية لمراقبة قدوم الهدف ، وكانت الأسلحة عبارة عن إم 16 مطورة أحملها أنا ، وإم 16 مطورة يحملها الأخ ع ع ، وبندقية جاليلي مع الأخ ع أ ر ، وإم 16طويلة مع الأخ ع ظ ، وبندقية جاليلي مع الأخ غ ، ومكثنا في الانتظار أكثر من نصف ساعة ، دون مرور الهدف ، فقررنا ضرب أي هدف يأتي دون تحديد ، وذلك حفاظاً على أمننا وسلامتنا ، حيث إننا في منطقة تماس خطيرة جداً على الحدود ، فأبلغت الأخ غ بأن يبلغنا عن أي هدف قادم من الشمال ، وما هي إلا لحظات حتى أعطانا الأخ غ إشارة بقدوم سيارة إسرائيلية من الشمال ، فطلبت من الإخوة أخذ أقصى درجات الاستعداد ، وفور وصولها وعلى بعد خمسة أمتار فقط فتحنا عليها نيران بنادقنا الرشاشة ، ونحن نصيح بأعلى صوتنا " الله أكبر ، الله أكبر " فتهشم زجاج السيارة ، وفقد سائقها السيطرة عليها حتى انقلبت رأساً على عقب
وبعد أن أفرغنا جميع مخازن أسلحتنا في الهدف قمنا بالانسحاب من المكان بسرعة باتجاه سيارتنا وانطلقنا نحو منطقة جحر الديك ، ومن ثم قطعنا وادي غزة جنوباً باتجاه مخيم البريج ومن هناك توجهنا غرباً نحو قواعدنا الآمنة في مخيم النصيرات ، وقد اعترفت إذاعة العدو الصهيوني بهذا الهجوم الذي أسفر _ حسب ادعائهم _ عن جرح اثنين من عاملي الصيانة اليهود الذين يتولون مهمة الصيانة الإلكترونية للسياج الفاصل بين القطاع وفلسطين 48 ، وقد وصفت جراحهما بين متوسطة وطفيفة ، أما من ناحيتنا فقد جاءت هذه الأنباء مخيبة لآمالنا ، حيث توقعنا إبادة جميع من كانوا بداخلها ، سيما وأنها انقلبت بعد أن أمطرناها بوابل كثيف من النيران ، وعلى أية حال فقد كنا نعتبر أن أي عملية يحدث فيها خسائر ، سواء قتلى أو إصابات هي عملية ناجحة بالنسبة لنا ، وبطبيعة الحال فلم نعلن عن هذه العملية لعدم بلوغها الحد المطلوب للإعلان عن عملياتنا .
الحلقة السادسة عشرة : عملية الخط الشرقي ( قرب محطة أبو جبة للبترول )
سبق تنفيذ هذه العملية سلسلة من عمليات الرصد الطويلة والمضنية ، حيث استمرت عملية الرصد أكثر من شهرين شارك فيها الإخوة من مجموعة الشهيد عماد نصار _ رحمه الله _ وكنت بين الحين والآخر أذهب معهم لأقف عن كثب على التفاصيل الدقيقة لعملية الرصد .
والحقيقة أن الإخوة الراصدين عانوا كثيراً ، وواجهوا مصاعب كثيرة أثناء عملية الرصد ، حيث مكوثهم في البرد القارس ، أو تحت المطر لساعات طويلة ، حتى تم إنجاز هذه المهمة على أكمل وجه ، ثم خرجت للمرة الأخيرة بصحبة الإخوة لتحديد الموقع الأنسب لتنفيذ الهجوم ، وتحديد خط انسحاب آمن بعيد عن حواجز الشرطة الفلسطينية ، وقمنا كذلك بوضع الخطة العسكرية ، والتي كانت كالتالي :
خطة الهجوم العسكرية :
تعتمد الخطة أساساً على نصب كمين ثابت ، حيث قررنا أن يقف المهاجمون خلف رصيف من نبات الصبر على طول الخط الذي يمر منه الهدف ؛ وذلك لقرب هذا الرصيف من خط مرور الهدف ، بحيث يكون عدد الإخوة المهاجمين ثمانية ، بين المهاجم والآخر خمسة أمتار ، ليكون الهدف تحت نيراننا مسافة 40 متراً ، وهذا كافٍ لإبادته والإجهاز عليه.
وفور وصول الهدف نتقدم نحوه بسرعة ونقوم بمباغتته من خلف رصيف الصبر ، وقد شددنا في الخطة على ضرورة قتل جميع الجنود من أجل سلب أسلحتهم ، وبعدها ننسحب بسرعة نحو قواعدنا .
الهدف المطلوب :
كان الهدف عبارة عن جيبين عسكريين كبيرين يقل كل واحد منهما أربعة جنود ، مهمته حراسة سيارات المستوطنين القادمين من وإلى مستوطنة نتساريم على الخط الشرقي لمدينة غزة ، وقد كان هدفنا هو قتلهم جميعاً ، وخطف أسلحتهم .
العتاد اللازم للتنفيذ :
قررنا مشاركة أكبر عدد ممكن من الإخوة المجاهدين في هذه العملية للقضاء التام على جميع الجنود ، وكذلك من أجل تمرس الإخوة على خوض عمليات حقيقية ، فاخترنا ثمانية من المجاهدين لتنفيذ هذا الهجوم ، مع ثمانية بنادق آلية مجهزة بكامل ذخيرتها ، وسيارتين مجهزتين بسائقين محترفين ، بالإضافة إلى مقص حديد .
يوم تنفيذ الهجوم :
سبق هذا كله أن أرسلت إلى الإخوة في قيادة الجهاز العسكري أطلب منهم إمدادي بأربعة من المجاهدين الجيدين ، وبالفعل فقد أرسلوهم لي قبل تنفيذ العملية بيوم واحد ، فجاء كل من الأخ المجاهد ر س ومعه بندقية جاليلي ، والأخ ع ك ومعه كلاشن كوف ، والأخ/ خ م ومعه جاليلي ، والأخ / ح أ و ومعه كلاشن كوف ، وجميعهم بسيارة بيجو 404 ، ومن ناحيتي فقد كنت مجهزاً ببندقية إم 16 مطورة ، وكان الأخ ر ب على رأس خليته ويحمل بندقية كلاشن كوف ، والأخ ش و ويحمل بندقية كلاشن كوف والأخ س أ ع ويحمل بندقية جاليلي ، وقد قمت بتقسيم الإخوة إلى مجموعتين تحسباً لأي طارئ ؛ لأن العدد كان كبيراً ، فقد ذهب الأخ ر على رأس الإخوة ش ، س ، وذهبت أنا على رأس الإخوة ر ، ح ، خ ، ع ، وكل مجموعة قضت ليلتها في مكان منفصل ،
وكانت وصيتي لهم لزوم العبادة وقيام الليل وكثرة الاستغفار واللجوء إلى الله تبارك وتعالى ، وطلب العون والتأييد منه وحده ، وبالفعل أمضينا ليلتنا بين الدعاء والرجاء أن يوفقنا الله للنيل من أعدائنا والإثخان فيهم ، حتى اقترب الفجر فارتحنا قليلاً ، ثم صلينا الفجر ، وانصرفنا لتجهيز أنفسنا وتفقد أسلحتنا وأمتعتنا ، وشد الأحزمة والاستعداد للانطلاق ، ثم طلبت من الإخوة في المجموعة الأولى بأن يستقلوا سيارة البيجو 404 ويقودها الأخ/ خ م ، بينما نستقل نحن سيارة سوبارو أقودها أنا ، ثم انطلقنا بعون الله وعلى بركته إلى أن وصلنا موقع العملية ، وفور وصولنا وضعنا سيارتينا بحيث تكون وجهتيهما نحو الغرب حيث خط الانسحاب ، ثم تقدمنا جميعاً نحو موقع إطلاق النار ، وقمت بقص الأسلاك الشائكة بحيث يتمكن الإخوة من تجاوزها ساعة التنفيذ ، ثم قمت بتوزيعهم على طول خط العملية ، بحيث يكون بين الواحد وأخيه خمسة أمتار ليكون مجموع خط إطلاق النار أربعين متراً وهي مسافة كافية لإبادة جميع أفراد الدورية ، ورحتُ أشرح لهم التفاصيل النهائية للعملية ومهمة كل واحد منهم ، ثم وقفت في مقدمة الإخوة من الناحية الجنوبية التي سيأتي منها الهدف ؛ لأكون أول من يستقبله من مسافة ثلاثة أمتار ، فإذا جاء الهدف أنطلق من مكمني باتجاهه وأبدأ بإطلاق النار عليه ، وبمجرد سماع الإخوة لأول رصاصة أطلقها على الهدف يجب عليهم أن يخرجوا من مكمنهم ليبدأوا بإطلاق النار عن قرب ، فإذا صار الهدف في وسط الكمين خرج له الإخوة الذين في آخر خط النار وسط الشارع ، وأطلقوا عليه النار مركزين على السائق مباشرة ، حتى يتوقف الهدف عن السير ليقع في كمين محكم جيداً وبذا يتم القضاء عليهم جميعاً .
ما إن اقتربت الساعة من السادسة والنصف صباحاً حتى بدا الهدف مهلهلاً من الناحية الجنوبية التي أقف عليها ، وهنا حدثت مفاجأة ، حيث إن الهدف قد تغير وجاء بدلاً منه جيب صغير بمفرده ، فطلبت من جميع الإخوة الاستعداد للتنفيذ وعدم الارتباك ، وفور اقترابه مني خرجت له وسط الطريق وفاجأته بزخات كثيفة من نيران بندقيتي التي تحتوي على مخزنين في كلٍ منهما ستين طلقة ، وقد تعمدت أن أضع بين كل ثلاث رصاصات عادية رصاصة تسمى " الخارق الحارق " لتنفجر في الهدف بمجرد إصابته ، وقد ظللت أطلق النار حتى فرغت ذخيرتي ، وصراخ الجنود داخل الجيب تتعالى ، حتى توقف تماماً عن الحركة على مسافة بعيدة نسبياً عن مرمى نيراننا ، ولكن ما أثار دهشتي وغيظي كذلك هو أن واحداً فقط من بين الإخوة الثمانية هو الذي تمكن من الخروج من ثغره وأطلق النار باتجاه الهدف ، وأما الباقي : فمنهم من أطلق النار عشوائياً ، أو في الهواء ، ومنهم من تعطلت بندقيته ، ومنهم من لم يطلق رصاصة واحدة .
أمرت الإخوة بالانسحاب فوراً وأنا أكاد أتميز من الغيظ لإفلات هذا الهدف الثمين منا ، ومما زاد دهشتي وغيظي أنني فوجئت بأن بعض الإخوة قد انسحب مبكراً بقرار فردي منه دون أن أعطيهم إشارة بذلك ، وهنا أدركت أنها حكمة الله في أن أرسل إلينا هدفاً صغيراً بدل ذاك الهدف الكبير ، إذ لو جاء الهدف الأول وهو عبارة عن جيبين كبيرين مع عشرة جنود كما أسلفنا لاستطاع أن يوقع فينا إصابات مباشرة ، وعلى أية حال فقد حمدت الله تعالى أن أرسل إلينا بهذا الهدف بدلاً من ذاك .
وعلى العموم فقد انسحبنا وأنا حزين جداً لهذه النتيجة ، وقد كان معي في سيارة السوبارو الأخ س ، ر ، ش ، بينما كان باقي الإخوة في سيارة البيجو ، فأمرت الجميع بالانطلاق بسرعة ، حيث واصلنا انسحابنا وسط الأحراش من بين حاجزي تفتيش للشرطة الفلسطينية حتى وصلنا إلى مكان آمن ، فأمرت الأخ / خ بتوصيل الشباب الذين معه إلى منازلهم ، بينما قمت بتوصيل الإخوة الذين معي ، ثم ذهبت ومعي جميع قطع السلاح إلى حيث مخازن الأسلحة ، وأسرعت للاستماع إلى نشرة أخبار العدو ، وقد هدأت نفسي بعض الشيء حين أعلنت الإذاعة عن تنفيذ هجوم مسلح على دورية عسكرية أسفر عن إصابة جميع أفراد الدورية بجراح وصفت جراح أحدهم بأنها خطيرة جداً ، وقد شاهدنا صور الهجوم وصور الجرحى على شاشات التلفاز ، وبطبيعة الحال لم نعلن عن هذه العملية لعدم بلوغها النتائج المرجوة .
الحلقة السابعة عشرة : عملية مقبرة الشهداء
جاءت هذه العملية الفدائية الجريئة بعد جهد متواصل من بعض الإخوة في مجموعة الشهيد عماد نصار _ رحمه الله _ ، وفي ظروف صعبة جداً ، حيث البرد والمطر والوحل والطين ، وكل ذلك لم يثن الإخوة عن مواصلة عملية الرصد ، والحقيقة أنني كنت أحترم فيهم عزمهم وإصرارهم وحماسهم ، خصوصاً وأنهم كانوا يخرجون للرصد في الصباح الباكر ، أو بعد الفجر مباشرة وعلى دراجات هوائية ، وهذا بالطبع يؤكد إخلاصهم وصدق نواياهم .
بعد اكتمال عملية الرصد ، قمت بصحبة بعض الإخوة بإجراء عملية استطلاع لعدة مرات للمناطق المحاذية على طول الحدود الشمالية التي يمر عليها الهدف ، وتمكنا بفضل الله من اختيار الموقع الأمثل لتنفيذ الهجوم ، وحددنا كذلك خط الانسحاب ، ووضعنا الخطة العسكرية الميدانية ، وذلك حسب الآتي :
خطة الهجوم الميدانية :
تعتمد الخطة أساساً على نصب كمين ثابت خلف ساتر من ألواح الصفيح المرتكز على سياج بيارة قريبة ومحاذية للخط الذي يسلكه الهدف ، بحيث يتوزع الإخوة المهاجمون على الجانبين الجنوبي والشمالي للطريق ، حيث يحمل المهاجم الأول من الجهة الجنوبية قنبلة يدوية ويحمل المهاجم الأول من الناحية الشمالية قنبلة يدوية كذلك ، حتى إذا جاء الهدف من إحدى الناحيتين الجنوبية ، أو الشمالية استقبلناه بتفجير القنابل ، ومن ثم نبدأ نحن بإطلاق النار باتجاهه حتى نفاذ الذخيرة ، ثم ننسحب بسرعة ، وفي أثناء ذلك أقوم أنا بعملية التغطية الأمنية على الإخوة أثناء الانسحاب .
الهدف المطلوب :
كان الهدف المطلوب هو عبارة عن جيب عسكري كبير ، يقل ستة جنود يقومون بمهمة الحراسة للحدود الشمالية ، وتعقب الآثار عليها .
العتاد اللازم للتنفيذ :
خمسة مهاجمين من أبطال الكتائب المغاوير مجهزين بخمسة بنادق آلية مختلفة مع كامل ذخيرتها ، وقنبلتين يدويتين ، بالإضافة إلى سيارة مجهزة تماماً مع سائق محترف .
يوم تنفيذ العملية :
ذهبنا إلى بيت الأخ المجاهد ش و ، حيث قمنا بتجهيز كل ما يلزم لتنفيذ العملية من سلاح وعتاد وذخيرة ، ثم ركبنا سيارتنا البيجو 504 ، وكان يقودها الأخ و ن ومعه بندقية كلاشن كوف ، حيث كنت أجلس بجواره ومعي بندقية إم 16 مطورة وقنبلة يدوية ، وفي الخلف كان يجلس الأخ س أ ع ، ويحمل بندقية جليلي وقنبلة يدوية ، والأخ ر ب ويحمل بندقية كلاشن كوف ، والأخ ش و وبحوزته بندقية كلاشن كوف ، وانطلق بنا السائق إلى مكان العملية . فوصلنا إلى هناك مع غروب الشمس ، وعلى الفور قمت بتوزيع الإخوة لأخذ أماكنهم حسب الخطة المرسومة ، حيث كنت مهاجماً أول من الناحية الجنوبية ومعي القنبلة ، بينما الأخ س مهاجماً أول من الناحية الشمالية ومعه قنبلة كذلك، وفي الوسط كل من الأخوة ر ، ش ، و ، ومعهم أسلحتهم ، وقد التزم كل واحد منا بمكانه في انتظار الهدف فلم يحضر حتى ارتفع آذان المغرب ، فأمرت الإخوة بأداء فرض المغرب كل واحد بمفرده حتى لا نلقى الله وفي أعناقنا فريضة لم نؤدها ، ثم أوصيتهم بالإكثار من الذكر وتلاوة القرآن ؛ امتثالاً لقول مولانا عز وجل : ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا ، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ) الأنفال 45
وقبل أن يرخي الليل سدوله ، وإذ بهدفٍ غير الهدف المرصود يأتي من بعيد ، وكان عبارة عن جيب قيادة عسكري ، وهنا كان أمامنا خياران ، فإما أن نهاجم هذا الهدف الذي لا نعرفه ولم نرصده ، وإما أن ننسحب دون تنفيذ ؛ لأن الليل قد أحاطنا بظلامه ، وليس هناك إمكانية للانتظار أكثر من ذلك ، وعلى الفور اتخذنا قراراً ميدانياً سريعاً بتنفيذ العملية ضد الهدف القادم ، فطلبت من الأخ س إعداد القنبلة والاستعداد الجيد لإلقائها ؛ لأن الهدف قادم من جهته ، بينما جهزت قنبلتي وجلست مستعداً لإلقائها عند اقترابه مني ، وفور وصول الهدف قمت أنا والأخ س بإلقاء القنابل اليدوية التي بحوزتنا ، ثم فتحنا جميعاً نيران أسلحتنا نحو الهدف ، واستمر إطلاق النار حتى نفذت ذخيرتنا ، وعلى الفور قمت باستبدال مخزن بندقيتي ، وأمرت الإخوة بالانسحاب بسرعة ، في حين أخذت أطلق النار على شكل صليات متقطعة باتجاه الجيب للتغطية على الإخوة أثناء انسحابهم ، بينما أخذت أنسحب شيئاً فشيئاً مع استمراري في إطلاق النار باتجاههم حتى لا أمكنهم من الرد علينا ، وفي أثناء انسحابي وجدت الأخ س ينزف دماً بغزارة ، وقد فاتنا الأخوان ش ، و ، وقطعوا مسافة ليست قصيرة بالسيارة ، فصرخت عليهم بالتوقف ، وقد أجهدنا الجري كثيراً ؛ لأن المسافة كانت بعيدة والأرض طينية مجهزة للزراعة ، وما إن وصلت أنا والأخ س للسيارة حتى نفذ المخزن الرابع لبندقيتي ، ولا أكاد ألتقط أنفاسي من شدة التعب ، فركبنا جميعاً السيارة وانطلقنا بسرعة ، وفي الطريق بدأ الأخ س بالانهيار نتيجة النزيف المستمر ، وقد بدت عليه مظاهر التعب والإعياء بسبب جراحه ، وهنا تأثرنا كثيراً عندما أخذ يطلب منا مسامحته والدعاء له بالخير ، والاستمرار على طريق المقاومة ، وكأنه كلام مودع ، فطمأناه وطلبت من الأخ و زيادة السرعة إلى أقصى حد ، بينما غيرت المخزن الخامس في بندقيتي ووضعت رصاصة في بيت النار لتكون جاهزة للإطلاق ، وذلك تحسباً لأي طارئ ، حتى وصلنا إلى إحدى قواعدنا في جباليا ، فنزلت مع الأخ ش ، وأخذنا كامل السلاح ، بينما واصل الأخ و
ر طريقهما لإسعاف س عند أحد الأطباء الثقات الذي قام على الفور بإجراء عملية جراحية سريعة لاستخراج شظايا القنبلة اليدوية التي ألقاها س باتجاه الجيب حيث غلب على ظننا أنها ارتدت وانفجرت بالقرب من س ، فأصابته بجراح في صدره ويده اليمنى ، وما إن انتهى الدكتور من علاجه حتى بدأ س يتماثل للشفاء ، وقد اعترفت إذاعة العدو بالهجوم ، وأعلنت عن إصابة أحد الضباط بجروح ، أما من ناحيتنا فاكتفينا بإرسال تفاصيل العملية لقيادة الجهاز العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام .
عملية اختطاف العميل ن ع والتحقيق معه ، وإعدامه :
كان التحقيق قد تم مع العميل ن ع في معتقل النقب من قبل إخواننا المجاهدين من حركة حماس داخل السجن ، ولكن العميل ن ع استطاع الهرب لاجئاً إلى تنظيم فتح الذي قام بحمايته وفق الاتفاقيات الأمنية المعقودة بين التنظيمات داخل السجن مما حال دون استكمال التحقيق معه هناك ، وبعد خروجه من السجن تلقينا تعليمات من الإخوة في قيادة الجهاز العسكري بضرورة خطف العميل ن ع والتحقيق معه ، حيث إنه كان يعمل مسئولاً لإحدى لجان العمل الشعبي التابعة لحركة حماس في حي الصبرة قبل اعتقاله ، ومن خلال المتابعة والتحري داخل السجن تبين أنه كان يمثل أحد نقاط الاختراق داخل الحركة .
طلبت من الإخوة في قيادة الجهاز العسكري تزويدنا بملف الاعترافات الخاص بهذا العميل ، فقاموا بتزويدنا بملفه غير المكتمل ، فاجتمعت بالأخوة أعضاء الخلية ، ودرسنا ملف العميل دراسة وافية ، ثم كلفت أحد الإخوة بمراقبته على مدار ثلاثة أيام ، حيث يسكن بجواره مباشرة ، وطلبت من الإخوة أن يكونوا على أتم الاستعداد لاختطافه حال تلقيهم إشارة البدء مني ، وما إن وصلت إلينا معلومات الرصد ، والتي أفادت بأن العميل ن ع يعمل في مجال توزيع الغاز ، حيث يخرج من بيته الساعة السادسة صباحاً حتى أسرعت بالذهاب بصحبة أحد الإخوة إلى مكان بيت العميل ، حيث قمنا بمعاينة المكان ، واستطعنا وضع خطة محكمة لاختطافه ، وقد قررت تنفيذ المهمة في صباح اليوم التالي ، وكلفت أحد الإخوة بتبليغ باقي المجاهدين بالحضور غداً في الصباح الباكر بقاعدة لنا قرب مسجد صلاح الدين الأيوبي بحي الزيتون ، حيث يوجد هناك ملجأ تحت الأرض جهزناه بكل ما يلزم من أجل التحقيق مع العملاء الذين نختطفهم ، وفي اليوم التالي اجتمعت بالإخوة في الموعد والمكان المحدد ، وشرحت لهم تفاصيل عملية الخطف ، وقد كانت الخطة تقتضي أن أقوم أنا بالتوجيه والمتابعة حاملاً رشاش من نوع " كارلوستاف " لمواجهة أي طارئ ، في حين تكون سيارة مع سائق محترف في الانتظار ، ويقوم اثنان من الإخوة بعملية خطف العميل ن ع وجرّه إلى داخل السيارة ، ومع اقتراب موعد التنفيذ قمنا بتفقد أسلحتنا وأمتعتنا جيداً ، واعتمدنا على الله في أن يوفقنا في هذه المهمة التي لا تقل أهمية عن الهجمات على جنود الاحتلال ، ثم بعد ذلك ركبنا سيارتنا ، وقد كنت الوحيد الذي يحمل سلاحاً نارياً في حين يحمل كل واحد من الإخوة خنجراً ، ويحمل أحدهم قيداً حديدياً لتقيد العميل حال خطفه .
انطلقنا صوب بيت العميل بعد أن لبس كل واحد منا قناعه للتستر أثناء تنفيذ العملية ، وما إن وصلنا هناك حتى خرج العميل من بيته ، وأراد أن يركب سيارته ، فأمرت السائق بالإسراع صوبه ، وعندما وصلناه قفزنا بسرعة من سيارتنا ، وانطلقنا نحوه محاولين إدخاله في السيارة ، ولكنه فاجئنا بالصراخ بشراسة غير طبيعية ، وقد تشبث بأبواب سيارته ورفض بشدة تركها ، وأخذ ينادي على أفراد عائلته الذين خرجوا مسرعين نحونا ، وبدءوا بإلقاء الحجارة علينا ، في حين هاجمني الأخ الأكبر للعميل محاولاً إيذائي ، فابتعدت عنه خطوة واحدة إلى الخلف وقمت على الفور بإطلاق صلية رصاص نحو قدميه ، فهاجمني آخرون من أقاربه ، فعاودت إطلاق صليات أخرى باتجاه أقدامهم حتى يتراجعوا عني ، وقد استمر هذا السيناريو حتى تمكنا بفضل الله من السيطرة على العميل ، وانطلقنا به إلى حيث قاعدتنا التي يوجد بها ملجأ التحقيق مع العملاء ، وفي الطريق أمرت الإخوة بخلع الأقنعة ، وعصب أعين العميل وتقييده بالقيد الحديدي الذي جهزناه لهذا الغرض ، وما إن وصلنا الملجأ حتى قمنا بإنزاله فيه ، وبسرعة باشرنا معه التحقيق ، حيث قلت له بأننا نعلم عنك كل شيء من الألف إلى الياء ، ولا داعي لأن تخفي عنا شيئاً ، حيث إن هدفنا ليس القتل ؛ إذ لو كان هدفنا القتل لما كلفنا ذلك أكثر من رصاصة واحدة نفجر بها رأسك ، بل أقنعته بأن هدفنا الرئيس هو إصلاحك وإنقاذك من وحل العمالة لليهود ، ثم طلبت منه بأن يهدأ تماماً ، حيث بدا خائفاً ومرتبكاً جداً ، فأعطيته فرصة عشر دقائق للتفكير ، ثم طلبت منه أن يتعاون معنا إلى أبعد الحدود ، ووعدته بأن نقوم بمساعدته ومد يد العون له ، فما كان منه إلا أن بدأ بالإدلاء باعترافاته ، وقد حدث هذا دون أي ضغط نفسي أو جسدي عليه .
قصة الارتباط :
كان ذلك في أوائل عام 1988 م قبل أن يلتحق بلجان العمل الشعبي التابعة لحماس ، حيث دعته بنت الجيران المسيحية ذات يوم لمساعدتها في تركيب أسطوانة الغاز ، فدخل لمساعدتها ، فوجدها في كامل زينتها كأنها في ليلة زفافها ، وقد لبست ملابس شفافة مغرية جداً ، وبدأت بمداعبته وملاطفته والاحتكاك فيه حتى إذا اقترب جسدها منه وقع عليها منكباً على وجهه في إحدى الغرف ببيتها ، حيث كانت كاميرا تصوير مثبتة على نافذة الغرفة دون أن يراها ، فقامت بتصويره وهو يمارس معها الزنا ، فقد هيئت كل الأجواء والظروف لذلك قبل أيام .
بعد أسبوع من هذه الحادثة وإذ بضابط مخابرات المنطقة والذي يدعى " أبو علي " يستدعيه للمقابلة في مكتبه بسرايا غزة ، ويعرض عليه التعاون معه للحفاظ على الأمن والنظام كما قال ، وعندما رفض ن ع ذلك فاجأه بصوره الفاضحة مع الفتاة المسيحية " بنت الجيران " ، وهدده بنشر صوره وفضح أمره ، فوافق بسرعة ، ومن هنا بدأ السباحة في وحل الخيانة .
أهم الأعمال التي قام العميل بتنفيذها :
1_ المشاركة في شبكة لإسقاط الشباب ، وتجنيد عملاء جدد لصالح العدو الصهيوني عن طريق الزنا واللواط .
2_ اختراق صفوف حركة حماس بهدف التجسس عليها وإفشاء أسرارها ، والوشاية عن أفرادها .
3_ إبلاغ ضابط مخابرات العدو بأسماء نشطاء الانتفاضة ، وعناصر التنظيمات الفلسطينية .
4_ المشاركة إلى جانب قوات الاحتلال والقوات الخاصة في قمع المظاهرات ، وإطلاق النار على راشقي الحجارة .
بعد أن انتهى من اعترافاته قمنا بتدوينها ، وطلبنا منه إعادتها من جديد من أجل المقارنة بين أقواله في كل مرة ، وبعد التأكد من صحة ما قاله ، قمنا بالمقارنة بين أقواله التي أدلى بها ، واعترافاته التي وردت في ملف التحقيق الذي أجري معه في سجن النقب ، فتبين لنا أنه اعترف على ثلاثة من خيرة شباب مسجد السوسي الأطهار بهدف تحطيمهم وتلويث سمعتهم ، وذلك بإيعاز من ضابط المخابرات " أبو علي " الذي كان يطلب منهم أن يعترفوا على بعض الشباب الشرفاء من أجل تلويث سمعتهم ، وبهذا كان لا بد من استخدام الضغط الجسدي عليه للتأكد النهائي من صحة أقواله ، فتم ذلك بفضل الله ، ثم قمنا بتسجيل كل ذلك على شريط كاسيت صغير وأرفقناه بملف الاعترافات النهائية ، ثم أرسلناه إلى الإخوة في قيادة الجهاز العسكري للنظر فيه ، وإصدار الأوامر ، حيث جاءتنا التعليمات مسرعة بتصفيته ، فقمنا بتقييده وعصب عينيه ، وأخبرناه بأننا سوف نفرج عنه ، وأسدينا إليه بعض النصائح والإرشادات حتى يطمئن إلى أننا سنفرج عنه بالفعل ، وذلك حتى لا يثور إذا علم أنه سيقتل وبالتالي تصعب السيطرة عليه .
بعد أن قيدناه وعصبنا عينيه ، وضعناه في صندوق ، ثم وضعناه في مؤخرة السيارة ، ثم انطلقنا به ، وقد اصطحبت معي بندقيتي ، وحمل كل من الإخوة المجاهدين خنجراً ، وتوجهنا به إلى المدخل الجنوبي لمدينة غزة ، حيث نزلنا في بيارة وسط الأشجار وأجلسناه على ركبتيه ، ثم قمت بتوجيه فوهة بندقيتي ، وأطلقت رصاصتين نحو رأسه فسقط على الأرض ، وعندما أردنا الانصراف ، وإذ بأحد الإخوة يقول لي بأنه غير مطمئن إلى موته وطلب مني إطلاق رصاصتين أخريين نحو قلبه للتأكد من موته ، فقلت له إن لم يمت فسنقوم بخطفه مرة أخرى ، والتحقيق معه ثم نقتله مرة ثانية ، فأصر الأخ على إطلاق رصاصتين نحو قلبه فنزلت عند رغبته وأطلقت رصاصتين صوب قلبه ، فلم يحرك ساكناً ، وبذا نكون قد أضعنا رصاصتين سدىً على حقير كهذا .
بعد ذلك قمنا باسم مجموعة الشهيد ياسر النمروطي التابعة لكتائب القسام بالإعلان عن تنفيذ حكم الله في أحد أخطر العملاء في منطقة الصبرة ، وقد قمنا بسرد بعض ما قام العميل بتنفيذه خدمة لأسياده الصهاينة .
وقد شكلت هذه العملية بداية مشوارنا في مجال العمل الأمني ضد العملاء والمتعاونين مع العدو الصهيوني .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .