بموجب مرسوم رئاسي انتقل وزير الخارجية فاروق الشرع إلى منصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون السياسية والإعلامية, وهو المنصب الذي كان يشغله نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام إلى حين إعلان انشقاقه عن النظام السوري مؤخراً. وفي مرسوم رئاسي آخر تم تعديل الوزارة فيه, عُين معاون وزير الخارجية وليد المعلم على رأس الوزارة بدلاً من الشرع, الامر الذي كان متوقعاً منذ فترة طويلة.
وقالت مصادر وثيقة الإطلاع إن التغيير في وزارة الخارجية "لم يكن مفاجئاً, بل كان مقرراً منذ فترة طويلة, ولكن تم تأجيله نتيجة للضغوط الداخلية التي مارسها خدام, والخارجية عبر لجنة
التحقيق( الدولية) وما تم في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري". وأوضحت المصادر "إن التغيير تم الآن بعد أن خفت الضغوط وذلك يؤكد أن سورية لا تتعاطى بسياسة ردود الفعل وإنما بالدبلوماسية الهادئة ذاتها".
ويعد المعلم من أبرز الوجوه في وزارة الخارجية السورية, إذ كان سفيراً لبلاده في واشنطن حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي, وكان على صلة وثيقة بملف المفاوضات مع إسرائيل.وشارك المعلم في آخر جولتين من محادثات السلام التي جرت في الولايات المتحدة في العام 1999, والمعروفتين ببلير هاوس وشيبرستاون.وكان الأسد كلفه مؤخراً بملف لبنان وبالقيام بجولة على السعودية ومصر ودول الخليج, ما يدل على ثقة القيادة السورية به .
وشمل التعديل الوزاري الجديد 12 حقيبة, بينها وزارات سيادية كالداخلية والخارجية والإعلام والثقافة فضلاً عن استحداث وزارتي دولة, فيما أبقى على وزير الدفاع العماد حسن تركماني ورئيس الوزراء المهندس محمد ناجي العطري ونائبه للشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري.
ووفقا للبيان الرئاسي الذي أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا), فإن اللواء بسام عبد المجيد عين وزيرا للداخلية خلفا للواء غازي كنعان الذي انتحر في مكتبه بالوزارة في 12 أكتوبر/تشرين الاول من العام الماضي وبقي منصبه شاغراً حتى اليوم. ويعرف عن اللواء بسام عبد المجيد أنه رجل صارم, وهو من أصول شركسية.
وتم تعيين الطبيب محسن بلال, الذي يشغل منصب سفير سورية في اسبانيا التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع دمشق, وزيراً للإعلام. ولاحظت المصادر ان بلال من خارج المجال الصحافي, كونه طبيباً, بخلاف سلفه مهدي دخل الله, الذي كان رئيس تحرير صحيفة "البعث" الناطقة بلسان الحزب الحاكم.
وعلل مراقبون هذا الاختيار بالحاجة إلى التناغم بين الإعلام والسياسة, ولا سيما الخارجية منها حيث تم ربط هذين المجالين علنا من خلال مرسوم تعيين الشرع نائبا للرئيس للشؤون السياسية والإعلامية.
وفي الإطار نفسه, أشار المراقبون إلى تعيين السفير السوري في مسقط رياض نعسان أغا وزيراً للثقافة, خلفا للدكتور محمود السيد.
واسندت وزارة النفط والثروة المعدنية إلى المهندس سفيان علاوي, خلفاً لإبراهيم حداد, الذي أبرمت في عهده معظم العقود النفطية مع الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى.
ويعتقد المراقبون أن استبدال حداد جاء على خلفية انزعاج بعض الدول الأوروبية لاستبعادها من عقود نفطية طمحت في سورية.
وطال التعديل الحكومي وزراء الصناعة والكهرباء والثقافة والنقل والداخلية والنفط والاتصالات والإسكان والتعمير والتعليم العالي والإعلام وأحد وزراء الدولة.
ويرى المراقبون في تغيير وزير التعليم العالي هاني مرتضى, الذي حل محله غياث بركات, مؤشرا على رغبة القيادة في تحريك القطاع التعليمي قدر الإمكان, خصوصا وأن الدولة ترغب بإحداث ثورة في قطاع التعليم العالي, برزت ملامحها خلال السنوات الأخيرة مع إفساح المجال أمام التعليم الخاص, بعد احتكار الدولة للقطاع بالكامل على مدى نحو أربعين عاماً.
وتعتبر المصادر أن الإبقاء على عبد الله الدردري, وهو من أبرز الوجوه الشابة في الحكومة, كنائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية, مؤشرا على دعم القيادة السورية لتوجهات حكومة العطري للسير بخطى حثيثة في الخطة الخمس عشرية --وهي خطة طموحة ستنتقل خلالها البلاد إلى اقتصاد السوق الاجتماعي, على الرغم من التململ الشعبي نتيجة سياسة تحرير الأسعار.
وبالنسبة إلى التعديلات التي طالت وزارات الاتصالات والإسكان والتعمير والنقل والصناعة والنفط, لاحظت المصادر ان فيها انسجاماً مع الرؤية السابقة ومشيرة إلى أن وزير النقل الجديد يعرب سليمان بدر ينتمي إلى الجيل الشاب ودرس هندسة الطرق في فرنسا.
ولم يتغير عدد النساء في الحكومة الجديدة, إذ حافظت ديالا الحاج عارف على منصبها كوزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل, كما بقيت بثينة شعبان في منصبها كوزيرة للمغتربين, والتي توليه القيادة السورية أهمية بالغة, لجهة تعميق التواصل مع الجاليات السورية في الخارج وتأمين علاقات أفضل مع الدول الغربية واللاتينية خصوصا التي تقيم فيها هذه الجاليات.
وبحسب التعديل الوزاري, فقد أضاف الاسد وزارتين بدون حقيبة, أسندت احداها إلى النائب جوزيف سويد من الحزب القومي الاجتماعي السوري, الأمر الذي رأى فيه المراقبون غزلا واضحاً من البعث الحاكم إلى هذا الحزب.
وبدأت ملامح هذا الغزل قبل سنوات مع تمثيله بنحو 4 نواب في مجلس الشعب, وضمه لاحقا إلى الجبهة الوطنية التقدمية, وهو الإئتلاف الذي يحكم البلاد.
ينظر المراقبون بأهمية إلى توسيع الهامش السياسي أمام الحزب القومي, الذي كان محظورا في البلاد نظرا, لقاعدته الشعبية في لبنان واهتمام سورية بالتواصل وبتعميق علاقاتها مع كافة حلفائها في لبنان بعد خروج قواتها منه.
وبلغ عدد الحاصلين على درجة الدكتوراة في الوزارة الحالية 18 وزيرا من أصل الحكومة الجديدة التي يبلغ عدد الحقائب فيها 27, تضاف إليها 6 وزراء دولة.
وفي ما عدا وزراء الدولة الذي يعبّرون عن تمثيل الجبهة التقدمية في الحكومة, فإن عدد الحزبيين من البعث زادوا واحداً, مقارنة بالحكومة الماضية, إذ أصبح عددهم 20 وزيراً, مقابل خفض عدد المستقلين واحداً ليصيروا سبعة وزراء بينهم المعلم والدردري, بحسب المحلل السياسي أيمن عبد النور.
ووصف المحلل عماد فوزي شعيبي التعديل الحكومي بأنه "تغيير دراماتيكي في الواقع الداخلي ....لكنه كان منتظراً", واصفا إياه بـ"التغيير النوعي الذي رغب الرئيس الأسد من خلاله بطي صفحة وفتح صفحة جديدة".
وتتوقع مصادر أن يرافق التعديل الحكومي تغييرات في مجمل دوائر الدولة, تشمل الكثير من المدراء العامين بما يتناسب مع شخصيات الحكومة الجديدة, مشيرة إلى إن عشرات السفارات السورية في الخارج بدون سفراء.