أيها الشاب أيتها الفتاة الاستعفاف صفة تمنحكم الصحة والكرامة والاستقامة، هل تبحثون عن منارات لتستنيروا بنورها وتهتدوا بها.. فإليكم هذه المنارات المضيئة في تاريخنا الناصع.
صبر، صلاة، دعاء، عفاف
ضرب عبدالملك بن مروان بعثاً إلى اليمن فأقاموا سنين حتى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق قال:
والله لأعسّن الليلة المدينة دمشق ولأسمعن الناس ماذا يقولون في البعث الذي أغزيت فيه رجالهم وأغرمتهم أموالهم.
فبينما هو في أزقتها إذ هو بصوت امرأة قائمة تصلي فتسمع إليها، فلما انصرفت إلى مضجعها قالت:
اللهم مسير النجب ومنزل الكتب ومعطي الرغب، أسألك أن ترد لي غائبي فتكشف به همي وتقر به عيني، وأسألك أن تحكم بيني وبين عبدالملك بن مروان الذي فعل بنا هذا ثم أنشدت تقول:
تطاول هذا الليل فالعين تدمع
وأرقني حزن لقلبي موجع
فبت أقاسي الليل أرعى نجومه
وبات فؤادي بالهوى يتقطع
إذا ما تذكرت الذي كان بيننا.
وجدت فؤادي حسرة يتصدع
وكل حبيب ذاكر لحبيبه
يرجى هواه كل يوم ويطمع
فذا العرش فرج من صبابتي
فأنت الذي تدعو العباد فيسمع
دعوتك في السراء والضر دعوة
على حاجة بين الشراسيف تلذع
فقال عبدالملك لحاجبه:
تعرف هذا المنزل؟
قال:
نعم هذا منزل يزيد بن سنان، قال فما المرأة منه؟
قال:
زوجته فلما أصبح سأل: كم تصبر المرأة عن زوجها؟
قالوا:
ستة أشهر.
فهذه المرأة العفيفة لم تجد لها ملجأ وملاذاً إلا ربها ومولاها تشكو إليه حاجتها وفراق زوجها عنها.. وتستعين على ذلك بالصبر والصلاة والدعاة.
أنت عفيف
إذا كنت تخاف الله
عن ابراهيم النخعي قال:
كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد.. فنزل في جوار قوم من النخع، فنظر إلى جارية منهم، جميلة فهويها وهام بها عقله، ونزل بالجارية ما نزل بالفتى.. فأرسل يخطبها من أبيها.. فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها.. فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم الهوى، أرسلت إليه الجارية:
قد بلغني شدة محبتك لي، وقد اشتد بلائي بك.. فإن شئت زرتك، وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى بيتي.. فقال للرسول ولا واحدة من هاتين الخلتين.. ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). الأنعام/ 15 ، أخاف ناراً لا يخبو سعيرها.. ولا يخمد لهيبها، فلما أبلغها الرسول قوله قالت: وأراه مع هذا يخالف الله؟! والله ما أحد أحق بهذا من أحد وإن العباد فيه لمشتركون.. ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد.
اتق الله
كلمة تدعو إلى العفاف
وهذا رجل من الثلاثة الذين دخلوا إلى الغار، فانحدرت من الجبل صخرة فسدت عليهم الغار، فقالوا: لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال ذلك الرجل في الحديث المتفق عليه: اللهم إنه كان لي ابنة عم، كانت أحب الناس إليّ- وفي رواية – وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني لعشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها- وفي رواية- فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركت الذهب الذي أعطيتها.
اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة.
فهذا رجل قد أوشك على مقارفة الفاحشة، ولم يبق بينه وبينها إلا شيء يسير ولكن الإيمان في قلبه تيقظ بكلمة اتق الله فانتبه إلى قبح ما هو مقدم عليه وتذكر الله فوقه، ينظر إليه، فانتصر الإيمان على الشهوة، وقام عنها وهي أحب الناس إليه.
فيالله.. ما للإيمان من سمو، ورفعة وعزيمة وصلابة ترفع الإنسان من حضيض الشهوة إلى علو العفاف والطاعة والطاهرة.
العفيفة يستحقها العفيف
وهذه قصة لصحابي هو مرثد بن أبي مرثد تحكي نموذجاً للعفة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
كان رجلاً يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان رجلاً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له في الجاهلية وإنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله.
قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة.
قال فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط فلما انتهت إلىّ عرفتني وقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت:
مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم.
قال: فتبعني ثمانية ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار، أو كهف، فدخلت فيه فجاؤوا حتى قاموا على رأسي بالوا فظل بولهم على رأسي فأعماهم الله عني ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا، حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أحبله فجعلت أحمله ويعنيني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: أنكح عناقا؟ أنكح عناقا؟- مرتين- فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد على شيئاً حتى نزلت ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها رواه الترمذي وابو داود والنسائي.
فهو على الرغم من الشدة والمحنة التي لحقت به.. وعلى الرغم من حبه لتلك المرأة بدليل أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنكاحها.. وعلى الرغم من أنها هي التي دعته وكان بإمكانه أن ينجو بنفسه ويستتر عن القوم عندها إلا أنه قالها بكل صراحة: يا عناق حرم الله الزنا ولم يرض حتى باللجوء لبيتها، بل قطع دابر الفتنة والشبهة وقالها بقوله المؤمن العفيف.
عفيفون تعلموا العفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
تلك هي أم سلمة تروي قصة هجرتها فتقول: وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة قالت: ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي، قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون من هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: فرد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت: وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة قال: أو ما معك أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله وابني هذا فقال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي فو الله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة ثم تنحي إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتي فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل به، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلاً- فادخليها على بركة الله فكانت أم سلمة تحفظها له وتقول ما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد....