ما الذي يقوله الناجون في حلبجة عن ماساتهم؟ وما هي ذكرياتهم عن ذلك اليوم الذي أمطرت فيه قوات صدام حسين الجوية حلبجة وسكانها بوابل من القنابل الكيماوية صبيحة ذلك اليوم الربيعي الجميل الدافئ في 13 مارس (آذار) 1988. ذلك اليوم الذي تحول الى غيوم سوداء ولهب، ثم حداد طويل بعد مقتل أكثر من 5 آلاف كردي في دقائق.
أما الذين نجوا من الموت ولجأوا الى مدن إيران الحدودية، فقد خسر جزء كبير منهم حياتهم في المستشفيات بسبب جراحهم البليغة وحالاتهم الصحية السيئة الناتجة عن الغازات الكيماوية المختلفة التي استعملت في هذه الهجمة المهلكة على الأهالي العزل. هذه الصور والتعليقات هي آراء وانطباعات من بقوا على قيد الحياة في حلبجة، ويتابعون مشاهد محاكمة صدام حسين، التي يراد منها أن تغلق صفحة مؤلمة في تاريخ العراق، لتفتح صفحة أخرى من المصالحة. فما الذي يقوله الضحايا عن ذلك اليوم، وعن الغفران والنسيان.
1 ـ «أين ابني» علي محمد، 68 عاما، الذي أصيب مع زوجته بالغازات، فقد بصره نهائيا. أما زوجته فتبصر قليلا بعد عدد من العمليات الجراحية. قال علي: «استشهد أحد أبنائي وآخر في عداد المفقودين عندما لجأنا الى إيران». وأضاف: «لا يعقل أن يكون عقاب صدام القتل فقط، لأنه ارتكب كل الجرائم بحق الأكراد والعراقيين عموما، الذين لم تلتئم جراحهم حتى الآن».
2 ـ «هؤلاء أعمامي» سالار عبد الله، 12 عاما، قال إن أمه حكت له عن الفاجعة. وتابع وهو يشير الى صورة في يده «هؤلاء هم أعمامي وضعتهم في هذا الدفتر». 3 ـ «ليتني مت» صديق عارف، 45 عاما، لا يزال يعاني من تأثير الغازات، وله 6 شهداء في أسرته. قال: «ليتني مت مثل والدي ووالدتي وإخوتي. لم يبق لي في هذه الدنيا ما أستأنس به، ولا أملك أي شيء وليس في جيبي دينار واحد منذ أسبوعين، لأنني غير قادر على العمل».
4 ـ «كأنه دفن حيا» حميدة حسن، 36 عاما، كان لها من العمر 18 عاما لما حدثت الفاجعة وكانت عروسا في عامها الأول. قبل أشهر من الهجمات الكيماوية اختطف رجال صدام زوجها الى المجهول. تعرضت حميدة حسن للضربات الكيماوية ونقلت الى إيران بجراحها ومن ثم الى أوسلو عاصمة النرويج. قالت «أعيش دوما مع الآلام، حتى التنفس صعب علي جدا. أنا بحاجة ماسة الى الهواء الرطب لأن أنابيب رئتي فيها جروح مزمنة وتدمى بشكل دائم. بعد تحرير كردستان العراق من أيدي النظام البعثي عام 1991 وعودة الأهالي الى قراهم ومدنهم». وتابعت حميدة «لما رجعنا الى حلبجة، وجدت جثمان زوجي في مقبرة جماعية وبدا وكأنه دفن حيا».
5 ـ «قال لي الطبيب: ستموت» كامل عبد القادر، 32 عاما، مدرس للغة العربية في إحدى مدارس حلبجة، له 8 شهداء من أسرته. قال: «توقفت إحدى كليتي عن العمل بسبب الغازات الكيماوية. والآن عندي كلية واحدة وأخبرني الطبيب أنه إذا لم يتبرع أحد ما بإحدى كليتيه لي خلال 8 سنوات فستتوقف كليتي الوحيدة عن العمل وأموت». وأضاف متسائلا: «يا ترى هل يوجد نظام وحشي في هذا العالم مثل نظام صدام حسين؟».
6 ـ «اعدموه» عبد الكريم محمد، 65 عاما، احترقت أجزاء من جسمه بالغازات الكيماوية، ولا تزال آثارها موجودة في رجليه وأعضاء أخرى من جسمه. قال: «يجب أن يعدم صدام حسين أو يقطع الى أجزاء بعدد جرائمه، مع أن هذا لا يكفي مع شخص دموي عادى كل أفراد شعبه».
7 ـ «حق ابنائى» عبد القادر محمد، 61 عاما، يعيش وحيدا في حلبجة، ضعفت عيناه بسبب الغازات الكيماوية. أمامه صورة ابنيه اللذين ماتا في مستشفيات إيران بعد القصف الكيماوي. قال محمد: «حتى إعدام صدام لا يعادل حق أحد من أبنائي، فكيف وهو قد دمر بيوت وقلوب الآلاف». وأضاف: «لا أشك أن شخصا مثل صدام حسين ليس بحاجة الى تثبيت جرائمه عليه، لأنه من الوضوح بمكان ما اقترفت يداه من جرائم».
8 ـ «إنه في الحقيقة شعور رائع» 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2005، يوم محاكمة صدام وبعض مساعديه في حزب البعث على جريمة مدينة الدجيل. مع أن اليوم كان يصادف شهر رمضان والناس صيام في حلبجة، ولكن كانت المقاهي مفتوحة وتم تشغيل مولدات الكهرباء فيها ليتسنى لأهالي حلبجة أن يروا محاكمة صدام وأعوانه بشكل مباشر في القنوات التلفزيونية. قال المواطن أحمد مراد، 68 عاما: «إنه لحدث سعيد أن نرى صدام ومعاونيه أمام المحكمة. ما كنا نتوقع رؤية هذا المشهد حتى في المنام، خاصة بالنسبة لمن نجوا من الفاجعة. إنه في الحقيقة شعور رائع».