| | #1 (permalink) |
| محب فعال ![]() | وأكد الرئيس السوري العزم على تحرير المحتل من الأراضي العربية في الجولان وجنوب لبنان وأضاف: مهما طال زمن العدوان فإن مصيره إلى زوال بفضل تصميم شعبنا وجماهير أمتنا على تحرير الأرض المحتلة واستعادة الحقوق المغتصبة وكان الأسد وجه الرسالة إلى الطبقة العاملة التي نفذت الجمعة وهو يوم العطلة الأسبوعي في سوريا يوم عمل طوعي احتفالا بذكرى وصول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى السلطة في نوفمبر 1970 وقال الأسد: لن تثنينا عن هذا الهدف أية ظروف مهما صعبت وتعقدت بسبب غلواء إسرائيل في ممارسة إرهاب الدولة وانحياز بعض القوى إلى عدوانية إسرائيل المفضوحة في إشارة إلى الولايات المتحدة وأكد مساندة الشعب العربي الفلسطيني الشقيق في نضاله البطولي لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف واستعادة حقوقه المغتصبة وكرر موقف بلاده من الإرهاب قائلا: نحن نرفض الارهاب وندينه ونقاومه لكننا نفرق بينه وبين النضال المشروع ضد العدوان والاحتلال تاريخ الجولان هو جزء من تاريه سوريا التي تؤلف جزءاً من الوطن العربي، كما تؤلف جزءاً من المنطقة التي اصطلح تسميتها "الشرق الأوسط". كان الشرق الأوسط مهداً للكثير من الحضارات القديمة التي اتصفت بتنقل مستمر للكتل البشرية. وكانت الهجرات والغارات والتجارة منشأ اختلاط دائم أضر بسكان الشرق الأوسط كله. إن جميع هذه التنقلات انعكست على الجولان، الملتقى الحقيقي بين الشرق والغرب، والجنوب والشمال. وإن خريطة شبكة الطرق في الجولان تدل على الدور الذي اضطلع به في العلاقات بين الشعوب القديمة. لم يعد هذا الوضع المساعد على السير في جميع الاتجاهات بالخير على الجولان، بل على العكس، كانت النتائج أحياناً مؤسفة، لأن الجيوش المصرية وملوك فارس وآشور والكلدانيين والمقدونيين واليوناينين والسلوقيين جاءت على التوالي لتتصادم في الجولان "ملتقى الغزوات". وهكذا كتب على الجولان، كما على الشرق الأوسط بعامة أن يكون ضحية عدم الاستقرار والفوضى حتى اليوم الذي بسط فيه العرب حكمهم على أنقاض تلك الممالك القديمة. إن أي دراسة تاريخية عن الجولان تواجهها صعوبات حقيقية، نظراً للنقص الكامل في الوثائق والآثار والأوابد التي خلفتها العهود التي سبقت عهد الصليبيين. والأماكن التاريخية متعددة، وإذا ما تجول عالم أثري في تلك الأماكن، مثل فيق والعال وكفر حارب وحومسية وصرمان وقلعة الصبيبة (نمرود)، لا يجد شيئاً كثيراً جديراً بالكشف، باستثناء قلعتين بناهما الفرنجة ولا تزالان بحالة سليمة، وهما قلعة الحصن المشرفة على بحيرة طبريا، وقلعة الصبيبة (نمرود) بالقرب من بانياس. يقول العالم الجغرافي آبل في كتابه "جغرافية فلسطين" إن ثروة الجولان، كالأخشاب والمراعي والحبوب والمواشي وأحجار البناء والطرق المؤدية من دمشق إلى إيلات، تفسر لنا كثافة وتنوع المنطقة والمنافسة التي تعرضت لها بين مصر والعموريين، وبين المصريين والحثيين، وبين المصريين وملوك ما وراء النهرين. وظلت المنافسة طوال العهود التاريخية اللاحقة وحتى عهد حديث. إن أقدم النصوص التي أشارت إلى منطقة الجولان هي رسائل تل العمارنة. وبعد حرب طويلة الأمد بين المصريين والحثيين، توصل الفريقان إلى وضع حد للنزاع، ووقعا اتفاق صلح، فأصبحت سوريا الجنوبية، وفيها الجولان طبعاً، تحت حكم الفراعنة في مصر. بينما تفتتت مملكة الحثيين بعد قرن من السلام والوفاق. وقد ساعد زوال مملكة الحثيين (القرن التاسع قبل الميلاد) على ظهور الآشوريين على مسرح النزاع، فقاموا بغزو المنطقة واصطدموا بالمصريين في حوران والجولان. وفي القرن الخامس قبل الميلاد سيطر ملكا فارس، قورش ودارا، على سورية. ولما هزمهما الإسكندر المقدوني سنة 333 ق.م، كان الفرس قد تخلوا عن سورية لليونانيين وخلفاء الإسكندر. ولما مشى الإسكندر لغزو مصر سالكاً طريق الساحل السوري، سنحت له الفرصة لإخضاع قبائل الجولان وحوران. حكم خلفاء الإسكندر من السلوقيين سوريا من سنة 312 إلى 61 ق.م، وتميزت فترة حكمهم بتزايد وصول القبائل العربية الآتية من اليمن والحجاز للتوطن في سوريا، وانتشارها في مختلف مناطقها بما فيها الجولان. وفي سنة 64 ق.م فرضت الجيوش الرومانية سلطتها على البلاد، وقسمتها إلى ثلاث ولايات، وأدخل الجولان ضمن ولاية سميت "حوران وعوج باتانيا". عاشت البلاد فترة سلام قصيرة تحت الحكم الروماني، وأصبحت كما في السابق إحدى أجمل بلاد العالم. كان تقسيم المملكة الرومانية، بالنسبة لسوريا كلها، بداية عهد من الاضطرابات والغزوات، بيد أن ساعة الإمبراطورية البيزنطية كانت قد دقت، فانجرت إلى معارك مع الساسانيين بدلاً من أن تضع حداً للاضطرابات. وعلى مدى 15 عاماً سيطر الساسانيون على حوران والجولان، غير أنهم لم يتركوا فيها أي أثر نظراً للمدة القصيرة التي قضوها فيها. وكانت القبائل العربية قد بدأت تصل إلى شمالي سوريا منذ عهد السلوقيين. وسكن الغساسنة الجولان وشرقي الأردن الشمالي وحوران وجبل العرب (جبل الدروز). واستقرت قبائل عربية أخرى في العراق وغربي الفرات، وهم التنوخيون. وكان الغساسنة حلفاء البيزنطيين وباقي القبائل العربية حلفاء الفرس، وهكذا فإن تاريخ الغساسنة والتنوخيين لم يكن سوى حروب قامت لمصلحة الإمبراطوريتين المتخاصمتين في الشرق والغرب. ورد في الأدب العربي الجاهلي، أحياناً، ذكر "حارث الجولان". وعلى الرغم من أن موقع هذه القرية لم يحدد، إلا أن تفسير الاسم قد يقود إلى مؤشرات تاريخية ذات أهمية كبرى، لا بالنسبة للقرية فحسب، بل للمنطقة المسماة "الجولان" كلها. ومن المؤكد أن اسم "الحارث" هو اسم أمير غساني، والاسم المركب "حارث الجولان" يعني أمير الجولان، مما يتيح الاستنتاج بأن المنطقة أيام الغساسنة كانت تتمتع باستقلال شبه ذاتي، ويدير شؤونها أمير. ومن المرجح أن هذا الأمير أطلق اسمه على القرية التي يقيم فيها تبعاً لعادات ذلك الزمان. لم يضع حداً للنزاع بين الفرس والبيزنطيين إلا الفتح العربي سنة 636 م بعد معركة اليرموك. ومن الجولان عبرت الجيوش العربية الإسلامية إلى سوريا متجهين نحو دمشق وبقية المناطق بعد انتصارهم على البيزنطيين، متخذين من الجولان قاعدة لهم، لأن مياهه الغزيرة ومراعيه الخصبة مواتية لعسكرة هذه الجيوش. وحقاً أصبح الجولان القاعدة الإسلامية الأولى، وقامت إحدى قراه القديمة، وهي الجابية، بدور هام في زمن الغساسنة، وبخاصة في العصور الأولى للفتح العربي الإسلامي. ففي قرية الجابية خطب الخليفة عمر بن الخطاب سنة 638 م خطبته المشهورة قبل توجهه إلى بيت المقدس ليترأس الاجتماع الذي قرر فيه بالإجماع ترك الأراضي في أيدي أصحابها. وفي السنة التالية، فشا الطاعون في المنطقة، فانتقل جيش المسلمين إلى الجابية المنطقة السليمة من الوباء. وكانت الجابية حتى زمن الأمويين أيضاً مكاناً للاجتماعات، ففي مؤتمر الجابية بويع الخليفة مروان بن الحكم. وفي الجابية نظم العباسيون حركتهم السرية الرامية إلى انتزاع الخلافة من الأمويين. ولما كان الجولان ملتقى طرق متاخماً للبلاد المقدسة، فعليه وقع عبء الحروب الصليبية. وكانت قلعة الحصن وقلعة الصبيبة الصليبيتان تشرفان على الطرق والممرات، وتراقبان بالتالي المنطقة. وفي سنة 1105 تقدم الفرنجة حتى قرية العال، وبنوا فيها قلعة، إلا أنهم لم يحتفظوا بها طويلاً. وكانت طبرية، قاعدة الصليبيين منذ معركة حطين، تتلقى بالتساوي نصف واردات السلط والبلقاء والجولان والمناطق المجاورة حتى حوران. ويعني هذا أن الجولان وحوران خضعا لسلطة الصليبيين. وتحمل الجولان أيضاً نتائج الغزو المغولي في القرن الخامس عشر للميلاد بقيادة تيمورلنك. وبدأ عهد جديد في تاريخ الشرق الأوسط سنة 1516، عندما وصل العثمانيون الذين حلوا محل المماليك. ودام الاحتلال العثماني الطويل حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وتخللته اضطرابات أهمها احتلال المصريين بقيادة ابراهيم باشا سوريا في مطلع القرن التاسع عشر. وقد خلفت هذه الحملة العسكرية المصرية أثرين في الجولان هما جسر الرقاد القديم، والطريق القديمة المسماة "الطريق المصرية". وبعد انتهاء حكم العثمانيين، وبعد تحرير سوريا من الانتداب الفرنسي واستقلالها سنة 1946، غدت منطقة الجولان إحدى المحافظات السورية. وبعد أن قامت "إسرائيل" على أرض فلسطين سنة 1948، أصبحت الجولان منطقة الصدام العسكري مع العدو الجديد كان احتلال منطقة الجولان أحد الأهداف الرئيسية للحرب التي شنتها إسرائيل في 1967 ضد الدول العربية. وقد غزت إسرائيل الجولان خلال هذه الحرب واحتلت منه ما مساحته 1250 كم مربع، وفيها المنطقة منزوعة السلاح ومساحتها 100 كم مربع. ويدخل في هذه المساحة المحتلة أجزاء صغيرة من جبل الشيخ هي النهايات الجنوبية الغربية لسلسلة هذا الجبل. وتدخل هذه الأجزاء ضمن إطار "الجولان المحتل" تجاوزاً للمفهوم الجغرافي. لقد طردت إسرائيل 120 ألف مواطن عربي سوري من سكان الجولان، لجأوا جميعهم إلى داخل سوريا. وخلال حرب تشرين 1973 تم تحرير القنيطرة، مركز المحافظة، وبعض القرى كالحميدية والقحطانية وبير عجم وبريقة والرفيد وغيرها. الأطماع الإسرائيلية في الجولان: ليس احتلال الجولان، كما تدعي إسرائيل، وليد ظروف معينة، وإنما هو نتيجة لأطماع إسرائيلية في التوسع في الأرض العربية. وهناك أدلة وشواهد كثيرة على ذلك، منها: 1- الحدود التي رسمها ديفيد بن غوريون للدولة اليهودية. فقد كتب سنة 1918 يقول أن هذه الدولة "تضم النقب برمته، ويهودا والسامرة، والجليل، وسنجق حوران، وسنجق الكرك (معان والعقبة)، وجزءاً من سنجق دمشق (أقضية القنيطرة ووادي عنجر وحاصبيا). 2- الحدود التي رسمتها المنظمة الصهيونية العالمية للدولة اليهودية. فقد قالت في مذكرتها المؤرخة في 3/2/1919 التي قدمتها إلى مؤتمر الصلح في باريس، أن هذه الدولة يجب أن تضم جبل الشيخ. وعللت ذلك بحاجة الدولة المنشودة إلى مصادر المياه من هذا الجبل الذي يلتصق بالجولان. 3- المطالب التي عبر عنها حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية يومذاك، في رسالته إلى رئيس وزراء بريطانيا لويد جورج، عشية انعقاد مؤتمر سان ريمو. فقد قال وايزمان: "وضعت المنظمة الصهيونية، منذ البدء، الحد الأدنى من المطالب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي. ولا داعي للقول إن الصهيونيين لن يقبلوا تحت أي ظروف خط سايكس- بيكو، حتى كأساس للتفاوض، لأن هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية ويقطع منها منابع المياه التي تزود الأردن والليطاني فحسب، بل يفعل أكثر من ذلك، إنه يحرم الوطن القومي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وحوران التي يعتمد عليها المشروع بأسره إلى حد كبير". وقد كرر الطلب ديفيد بن غوريون في رسالته التي وجهها باسم اتحاد العمل الصهيوني إلى حزب العمال البريطاني، وذلك في نيسان 1920. الإستراتيجية الإسرائيلية في الجولان: 1- مرحلة 1948-1967: بعد أن وقعت سوريا اتفاقية الهدنة المشتركة مع إسرائيل في 20/7/1949، بدأت إسرائيل سلسلة من أعمال خرق الأحكام الخاصة باتفاقية الهدنة المذكورة، والمتعلقة بشكل خاص بالمناطق منزوعة السلاح، وذلك بقصد الوصول إلى غاية محددة، هي ضم هذه الأراضي إليها. فقد شرعت عام 1950 بتنفيذ مشروع تجفيف بحيرة الحولة. ومن أجل تحقيق هذا المشروع صادرت أراضي المزارعين العرب في المنطقة منزوعة السلاح، وطردتهم من ديارهم، وفرضت سيطرتها العسكرية على المنطقة. وقد اعترف بذلك أحد المسؤولين العسكريين السابقين، وهو الجنرال متتياهو بليد، بأن تجفيف الحولة جعل سوريا بلا حدود آمنة. كما اعترف موشيه دايان بهذه الحقيقة حين صرح في جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في 10/8/1973 قائلاً: "أجل، لقد ألغينا من جانبنا الوضع الخاص بالمناطق منزوعة السلاح، وتصرفنا بها كأنها داخل إسرائيل". 2- مرحلة 1967-1973: تحققت في هذه المرحلة أطماع الصهيونية التاريخية في الجولان، موقعاً وأرضاً ومصادر مياه. وبدأت إسرائيل تعد لضم الجولان بإقامة مستعمرات واستعمار المنطقة المحتلة بنقل سكان جدد ليحلوا مكان المواطنين السوريين، السكان الأصليين الذين طردتهم بالقوة من ديارهم وبيوتهم. أظهرت تصريحات المسؤولين الإسرائيلين وبيانات الأحزاب مدى تشدد إسرائيل في التمسك بالجولان. وتأكيداً لهذا الموقف اعتمدت الحكومة الإسرائيلية عام 1969 خطة مدتها عشر سنوات للاستيطان في الجولان، تضمنت إسكان 50 ألف إسرائيلي وإنشاء مدينة لثلاثين ألف شخص. وفي هذه المرحلة تم إنشاء 21 مستوطنة برز فيها العامل العسكري في انتقاء المواقع والترابط الدفاعي بين المستعمرات، وفي السكان المستعمرين بحيث يكونون من عناصر الشباب الذين أدوا الخدمة العسكرية. 3- مرحلة ما بعد 1973: كان من الطبيعي أن تترك حرب تشرين (أكتوبر) 1973 بما حققته من نتائج، خاصة في الأيام الأولى منها، بصماتها وآثارها على الاستراتيجية الإسرائيلية في الجولان. فاتجهت الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع المستعمرات وزيادة عدد سكانها، وعدلت خطة الاستيطان السابقة بحيث جعلت هدفها إسكان 50 ألف نسمة حتى نهاية العام 1985. وأقامت مستعمرات جديدة، حتى بلغ مجموع عدد المستعمرات 32 في شباط (فبراير) 1982. كما بدأ تنفيذ مشروع لإقامة عشر مستعمرات جديدة. وخلال فترة الاحتلال، وبخاصة بعد حرب 1973، قامت إسرائيل بتنفيذ مختلف التدابير والخطط الهادفة إلى تدمير مراكز العمران العربية، وفيها الجوامع والكنائس والمدارس والمؤسسات، وأزالت من الوجود مجموعة كبيرة من القرى العربية، منها جباتا الزيت، المنصورة، الحميدية، الغسانية، العدنانية، الجويزة، الرفيد، العال، فيق، خسفين، وكفر حارب. وتبقى مدينة القنيطرة من أكبر الشواهد على بربرية الإسرائيليين وهمجيتهم. فقد أزال الجيش الإسرائيلي المدينة من الوجود وجعلها كتلة من الخراب، مما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار عدة قرارات بشأن القنيطرة، منها القرار رقم 32/91 بتاريخ 14 كانون الأول (ديسمبر) 1977، وفيه دانت الجمعية العامة "التدمير الشامل والمتعمد الذي لحق بالقنيطرة أثناء الاحتلال الإسرائيلي لهذه المدينة، وقبل انسحاب القوات الإسرائيلية منها عام 1974"، واعترفت الجمعية بحق سوريا في أن تحصل على "تعويض كامل ومناسب عما لحق بالقنيطرة من أضرار واسعة النطاق وتدمير متعمد أثناء وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي". وكانت الجمعية العامة كلفت لجنة خبراء بتقدير القيمة المالية لهذه الأضرار، وقد قدرت اللجنة القيمة بمبلغ 689.178.090 ليرة سورية بأسعار عام 1977. اتجهت إسرائيل بعد حرب تشرين 1973 إلى تحصين المستوطنات في الجولان تحصيناً كثيفاً، وتحويل كل منها إلى قلعة دفاعية ذات اكتفاء ذاتي ومترابط، في الوقت ذاته، مع المستوطنات المجاورة لها، إلى حانب مجموعة متشعبة وكثيفة من الحواجز والموانع ومراكز المراقبة والترصد، والأقنية المضادة للدبابات وغير ذلك من التحصينات. مشاريع ضم الجولان: وفيما كانت إسرائيل تنفذ خطط الاستيطان والتحصين في الجولان، ظهرت عدة مشاريع تعالج موضوع هذه الأرض المحتلة وعلاقة إسرائيل بها. ومن أهم هذه المشاريع مشروع آلون، ومشروع حزب المابام، ومشروع حزب العمل، ومشروع تكتل الليكود. اقترح ييغال آلون في مشروعه الذي نشره عام 1976، وكان يومذاك وزيراً في الحكومة العمالية الإسرائيلية، أن تحتفظ إسرائيل بمنطقة استراتيجية في الجولان لمنع سوريا من إمكان التعرض لمصادر المياه، ولمنع حدوث هجوم سوري مفاجئ على الجليل. ورسم آلون خط الحدود المقترح ممتداً من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك على شكل قوس يوازي خط وقف إطلاق النار، ويحتفظ لإسرائيل بالقسم الأعظم من الجولان. أما المشروع الثاني فقد طرحه حزب المابام في منتصف 1976. واقترح المشروع أن تمر الحدود مع سوريا فوق هضبة الجولان بشكل يوفر الأمن والسلامة لمستعمرات الجليل الأعلى وغور الأردن، ومن ثمّ يعتبر ما بقي من الهضبة منطقة منزوعة السلاح. لم يضمّن حزب العمل الوثائق التي صدرت عنه مشروعاً مفصلاً محدداً، وإنما استعمل أسلوب التغطية والغموض، فنادى بحدود "يمكن الدفاع عنها"، وأكد أن إسرائيل "لن تعود إلى حدود 4 حزيران (يونيو) 1967 التي شكلت إغراءً بالاعتداء". وصرح زعماء حزب العمل مراراً بأنه لا يجوز لإسرائيل أن تتخلى عن الجولان. وقال إسحاق رابين: "حتى في نطاق تسوية شاملة ومعاهدة سلام، فإن إسرائيل لن تنزل عن الجولان". كان تكتل الليكود أكثر وضوحاً وصراحة من حزب العمل، فقد أعلن في الوثائق التي أصدرها، وفي تصريحات زعمائه، أن الجولان جزء من إسرائيل. وحينما نشر مناحيم بيغن برنامج حكومته الثانية في تموز (يوليو) 1981، عبر عن هذا التصميم إذ جاء في البرنامج "إن إسرائيل لن تتخلى عن الجولان ولن تزيل أي مستوطنة أقيمت فيه. والحكومة هي التي ستبت بشأن التوقيت المناسب لتطبيق قانون الدولة وقضائها وإدارتها على هضبة الجولان". مهدت حكومة بيغن لضم الجولان بسلسلة من التدابير كان أبرزها: 1) حزيران (يونيو) 1979: توقيع 73 عضواً في الكنيست يمثلون جميع الأحزاب الإسرائيلية على عريضة تقول: "إن الجولان جزء لا يتجزأ من إسرائيل". 2) تموز (يوليو) 1980: تعديل قانون الجنسية الإسرائيلية بحيث أصبح من حق وزير الداخلية "منح الجنسية الإسرائيلية لسكان من المناطق المحتلة في عام 1967"، وهكذا أخذت سلطات الاحتلال في الجولان تفرض الجنسية الإسرائيلية على المواطنين السوريين، وتوزع عليهم الهويات الإسرائيلية. 3) تشرين الأول (أكتوبر) 1980 وآذار (مارس) 1981: تقدم بعض أعضاء الكنيست بمشاريع قوانين لضم الجولان. قانون ضم الجولان: قدمت الحكومة الإسرائيلية إلى الكنيست يوم 14 كانون الأول (ديسمبر) 1981 مشروع قانون جاء في مادته الأولى "يسري قانون الدولة وقضاؤها وإدارتها على منطقة مرتفعات الجولان". وقد حاز المشروع، بعد مناقشة قصيرة وسريعة في الكنيست، على تأييد 63 عضواً ومعارضة 21. وقد قدم بيغن المشروع بخطاب قال فيه: "لن نجد في بلدنا أو خارجه رجلاً جاداً درس تاريخ أرض إسرائيل في وسعه أن يحاول إنكار أن هضبة الجولان كانت على مر أجيال كثيرة جزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل. لقد كان من الواجب إذن أن يمر خط الحدود الشمالية لأرض إسرائيل التي دعيت باللغة الأجنبية باسم فلسطين، في تصريح بلفور وفي الانتداب الدولي، بهضبة الجولان". وبعد أن زيف بيغن الحقيقة وكذب على التاريخ، أضاف أن السوريين رفضوا "يدنا الممدودة، منكرين إنكاراً تاماً حقنا في الوجود كدولة يهودية". مقاومة أهل الجولان: منذ أن لمس المواطنون السوريون في الجولان بدء تطبيق الإجراءات الإسرائيلية الممهدة لعملية الضم، أخذوا يجمعون صفوفهم، ورفضوا التخلي عن هويتهم الوطنية وقبول الجنسية والهوية الإسرائيليين، وتنادوا إلى عقد مؤتمر في قرية مجدل شمس في أواخر 1980، حضره زعماء المنطقة وعدد كبير من أبنائها، وأصدروا بياناً أسموه "الوثيقة الوطنية"، وأبلغوه إلى الأمين العام للأمم المتحدو وإلى وسائل الإعلام العالمية التي استطاعوا الاتصال بها. استهل المؤتمرون وثيقتهم بقولهم: "نحن المواطنين السوريين في المرتفعات السورية المحتلة نرى لزاماً علينا أن نعلن... من أجل الحقيقة والتاريخ، حقيقية موقفنا من الاحتلال الإسرائيلي، ودأبه المستمر لابتلاع شخصيتنا الوطنية، ومحاولته ضم الهضبة السورية المحتلة حيناً، وتطبيق القانون الإسرائيلي علينا حيناً آخر، وجرّنا بطرق مختلفة للاندماج بالكيان الإسرائيلي، وتجريدنا من جنسيتنا العربية السورية التي نعتز ونتشرف بالانتساب إليها ولا نريد عنها بديلاً، والتي ورثناها عن أجدادنا الكرام الذين تحدّرنا من أصلابهم وأخذنا عنهم لغتنا العربية التي نتكلمها بفخر واعتزاز". وبعد هذا الاستهلال، تبنّى المؤتمرون مجموعة من المبادئ والقرارات، كان أهمها: 1) هضبة الجولان المحتلة جزء لا يتجزأ من سوريا العربية. والجنسية العربية السورية صفة ملازمة لنا لا تزول، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء. 2) لا نعترف بأي قرار تصدره إسرائيل من أجل ضمنا إلى الكيان الإسرائيلي. 3) لا نعترف بشرعية المجالس المحلية والمذهبية لأنها عُينت من قبل الحاكم العسكري الإسرائيلي. 4) كل شخص من الهضبة السورية المحتلة تسوّل له نفسه استبدال الجنسية الإسرائيلية بجنسيته، يسيء إلى كرامتنا العامة ولشرفنا الوطني ولانتمائنا القومي ولديننا وتقاليدنا، ويعتبر خائناً لبلادنا." وقرر المؤتمرون أن كل من يتجنس بالجنسية الإسرائيلية مطرود من الدين، ويحرم التعامل معه أو تزويجه، إلى أن يقر بذنبه ويعود عن خطئه. بعد أن صدر قانون ضم الجولان تنادى المواطنون السوريون في الهضبة إلى عقد اجتماعات متتالية للاتفاق على مواجهة هذا العدوان الجديد. ثم قرروا إعلان الإضراب العام بدءاً من 14 شباط (فبراير) 1982، بعد أن ظهر لهم رفض إسرائيل الانصياع إلى قرارات الأمم المتحدة التي طالبتها بإلغاء القانون. وقد سبق إعلان الإضراب امتناع السكان عن دفع الرسوم والضرائب، ومقاطعة مختلف سلطات الاحتلال وعدم التعامل معها، بالرغم من الخسائر والمشكلات الناجمة عن هذا الموقف، وخاصة فيما يتعلق منها بالحياة اليومية. وقد قال أحد زعماء المنطقة: "نحن مستعدون للثبات على كلمتنا، ولن نغير جنسيتنا مطلقاً حتى ولو أدى ذلك إلى التضحية بأرواحنا". وقد ألقت سلطات الاحتلال القبض على أربعة من زعماء المنطقة وسجنتهم. بدأ الإضراب العام في الموعد المحدد، وأغلقت جميع المتاجر والمكاتب والمدارس والمؤسسات أبوابها، ولم يتوجه العمال إلى أعمالهم. وقد هددت وزارة المعارف الإسرائيلية المعلمين بطردهم من وظائفهم، كما تسلم مئات العمال رسائل فصل من العمل. ومن أجل مقاومة هذا الموقف الوطني الجماعي، لجأت سلطات الاحتلال إلى استخدام وسائل الإرهاب والقمع والقهر والضغط والحرمان، فاتخذت مجموعة من التدابير منها توسيع حملة الاعتقال والسجن، ومنع الرعاة من سوق ماشيتهم إلى المراعي، وهدم البيوت في بعض القرى، ومنع المزارعين من تسويق محاصيلهم، وفرض ضرائب جديدة على السكان، ومصادرة أراض جديدة بحجة تخصيصها لإقامة مستوطنات جديدة، وفرض الإقامة الجبرية على عشرات المواطنين والمثقفين ومنعهم من مغادرة بيوتهم، والقيام بحملات التفتيش في البيوت، وغير ذلك من أعمال الإرهاب والقمع التي تمثلت أيضاً بتصريح وزير المواصلات الإسرائيلي بعد زيارته للجولان في 17/2/1982 إذ قال: "يجب التعامل معهم (سكان الجولان) بشكل حازم. وكل من يشعر بأنه سوري فهضبة الجولان لنا وبأيدينا، ويجب تمكين أولئك الذين يريدون الانتقال إلى سوريا من أن يفعلوا ذلك". وقد رد عليه أحد زعماء المنطقة بقوله: "إن تصريحات وزير المواصلات إرهابية. لقد نفذ صبرنا إلا أننا سنصمد أمام الضغوط". وقال زعيم آخر: "إننا مستعدون للذهاب حتى النهاية دعماً لمطالبنا". ولأن هذه الوسائل التي استخدمتها إسرائيل لم تؤد إلى النتيحة المطلوبة، أغلقت قوات الجيش الإسرائيلي منطقة الجولان وعزلتها عزلاً تاماً بدءاً من 25 شباط (فبراير) 1982، وفرضت منع التجول على عدة قرى، ومنعت اتصال أهالي القرى ببعضهم، وكلفت الجنود توزيع الهويات الإسرائيلية على السكان، فرفض هؤلاء استلامها وحدثت مناوشات بينهم وبين الجنود. وقد أدت هذه التحديات والضغوط المستمرة إلى صدامات وقعت بين المواطنين السوريين وقوات الاحتلال في قريتي مسعدة ومجدل شمس يوم 2 نيسان (أبريل) 1982، وأدت إلى إصابة نحو عشرة مواطنين برصاص الجنود، وجرح ستة جنود بالحجارة التي ألقاها المواطنون على الجنود دفاعاً عن أنفسهم حكاية جولانية دمعة وابتسامة، في وجوه أتعبها الانتظار الطويل، والأمل المنشود، غصة في قلب يتلوع شوقا. قصص يومية وحكاية تكتب بالآلام والدموع المنهمرة سرا من وراء العيون المشتعلة،"كيفك يا حبيبي" عبارة تتردد كل زيارة من وراء شباك الزيارة... رحلة عذاب بين معتقلات العدو. تختلف الأسماء لكن المكان واحد. تختلف الأجواء، لكن جو الحزن وحده يبقى جاثما في الأعماق. تمر سنوات صعاب، الأجساد تهزل وتذوي، والعيون تفقد بعضا من اشراقتها، وقبضة السجان تزداد شراسة وقسوة على الأجساد التي أنهكها التعب والإعياء والانتظار الطويل. أربعة وثلاثون عاما من رحلة الاعتقال خلف الأسلاك في السجن الأكبر، وخلف القضبان في السجن الأصغر، والحكاية لم تنتهي، ورحلة الاعتقال تتجدد كل عام اكثر بشاعة واشد قسوة. وسبعة عشر عاما أخرى من مسيرة الاعتقال تواصل أمهات الاسرى والمعتقلين العرب السوريين في سجون الاحتلال التحضير والإعداد الى الزيارة، وتحضير الأغراض والميرامية والنعنع والمواد القليلة المسموح بإدخالها الى السجن. سبعة عشر عاما من رحلة الانتظار أمام بوابة السجن وتسجيل الأسماء والتقاء الأهالي من ذوي الاسرى من القدس وباقة الغربية والناصرة وحيفا ويافا. هذه أم لم تعد تستطع السير يساعدها حفيدها على النهوض وتلك أم تنهض متثاقلة حين تسمع صوت السجان ينادي على اسم ولدها خلف القضبان، وتلك تحمل سلة منع السجان إدخالها الى ابنها فبدأت تصيح: لكم يومكم يا ظلام غدا يتحرر ابني رغم أنفكم يا مجرمين.... رحلة عذاب تتكرر ولا من مجيب لدعوات وابتهالات وتوسلات أم ترغب في احتضان ابنها خلف القضبان قبل مماتها...القلب مكسور، والأمل المنشود ما زال خلف الأبواب الموصدة. تلك حكاية من الجولان، حكاية الموت البطيء مع السجن والسجان نقدم نماذج حية نعايشها مع ذوي رفاقنا الأحرار خلف القضبان. في زيارة أهالي المعتقلين لأبنائهم في السجون الصهيونية طقوس عدة، عرفها ومارسها كل من قدر له ان يعيش تجربة المعتقل من خارجه في وقت يقبع أحد أبنائه داخله. هذه الطقوس تبدأ من حجز دور للزيارة لدى الأهل، الى شراء الأغراض المسموح إدخالها الى إعداد أخبار الأهل والاخوة والأخوات في الذاكرة، الى ترتيب ساعة الانطلاق ثم النهوض صباحا والتوجه الى باص السفر حيث يتم جمع أهالي المعتقلين والانتظار للتأكد من ان الجميع قد حضر ثم التوجه الى السجن في رحلة هي صعبة على أم أو أب أتعبته سنوات السفر الروتيني عبر المسافات البعيدة. فاليوم يقبعون هناك في صحراء النقب القاحلة وبالأمس في عسقلان وغدا في شطه أو أي مكان. لم يعد مهما أين المكان؟ في الانتظار أمام بوابة السجن ينزل الأهالي من الباص الى الساحة المكتظة بذوي المعتقلين. أولئك عائلات اسرى القدس وهنا تنتظر تحت الشمس الحارقة عائلات اسرى (عرب الثمانية والاربعين) وهناك عائلات أنهكها التعب والانتظار تجلس عائلات أسرى من أي مكان ليس مهما، المهم ان المكان جمعنا. دمعة في العين وحسرة في القلب، وشوكة الأبناء في عيون الأعداء... وتبتدأ حفلة السلام وتبادل التحيات والأوجاع والحكايات، ويفتح السجان نافذة صغيرة لتسجيل الأسماء وتبتدأ عملية تدقيق الهويات والأسماء، وبعد الانتظار ينادي على الأسماء وتترك الأغراض للتفتيش لدى الحراس، ثم تتم الزيارة ويلتقى الأهل مع الأبناء من خلف القضبان بحضور حارس واحد وراء كل سجين، واربعة حراس وراء الأهالي. وخلال فترة الخمس والأربعين دقيقة (الفترة المسموح فيها الزيارة) يتداخل العالمان، عالم السجن الخارجي وعالم السجن الداخلي. هذه أم تحاول ملامسة بعضا من أنامل ابنها، وهذا أب اغرورقت عيناه بالدموع وتراجع الى الوراء، يفسح المجال لغيره في إلقاء التحية من وراء القضبان، وهذا سجين يتفحص القادمين للزيارة يحرك رأسه ويرفع يده رمزا للعناق والتحية،" كيفك يا آمي، وكيف خواتي واخوتي " عبارات تقليدية تتكرر كل زيارة، حتى اعتادها السجان، واعتادتها القضبان. يحين ساعة الفراق والوداع. وكأنه هذة المرة الوداع الأخير للسجن والقضبان والسجان، والأوجاع المحشوة بالأحزان والأثقال، " دير بالك على حيلك يا حبيبي، أمانة عليك تغطى،وتغذى منيح، ابعثلي رسالة يا حبيبي" آخر عبارة تنطقها آلام وهي تخرج مغصوبة من غرفة الزيارة، وتبقى العيون تلتفت الى الوراء اللمحة الأخيرة قبل الافتراق، وتنهار الدموع بعد الخروج الى أمام بوابة السجن، لتنتفش في الجسد والذاكرة قصة جديدة من حكايات أهالي الاسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال. وتتكرر ذات المشاهد والصور والذكريات، منذ ثلاثين عاما ونحن هنا كل زيارة تقول أم عاشت ذات التجربة مع الزوج أو الأخ واليوم مع الابن، والمكان واحد والقضبان واحدة، وحدها الوجوه تغيرت وتواريخ الزمان، يخرج أهالي المعتقلين من بوابة السجن الأخيرة وتبقى الأعين تراقب تترصد أي حركة الى الوراء ربما يلوح في الأفق أحد الأبناء،داخل أسوار المعتقل، ويتجمع أهالي المعتقلين بخطى متثاقلة الى خارج الأسوار حيث ينتظر سائق الباص مكانه، فيبدأ في الاستعداد لتشغيل الباص والعودة من جديد في رحلة العودة التي تستمر ساعات وساعات وساعات من السفر ويطول الطريق وتبعد المسافات بين المكان الذي بداخله الأبناء الأحباء، والمكان الذي بداخلة يعيش الأمل المسروق من نشرات الأخبار والإذاعات والمسافات فربما يكون التحرير قد اقترب، وتنهي رحلة الآلام.. هذه الطقوس والعادات عشتها بالأمس القريب من داخل القضبان خلال 12 عاما، حيث الإرادة والإيمان والقناعة بعدالة قضيتك هي كل ما تملك، بوجه آلة القمع والضرب والتعذيب الفاشية، هي كل ما تملك في معركتك كانسان مناضل بين أعدائك الذين يتلذذون لصور اللقاء بين اهلك وأحبائك من وراء الشباك الحديدية، ويتفنن اكثر في إنهاء وقطع اللقاء دون رحمة أو أي شعور واحساس بالآدمية... واعيشها اليوم من جديد من خارج الأسوار حيث السجن الأكبر لا يختلف كثيرا عن السجن الأصغر إلا بالوجوه والأشكال والأشياء. تغيرت وجوه بعض الأمهات والأخوات والأباء، وتغيرت أسماء السجناء، لكن بقى الجولان اكبر واعظم، وبقى الوطن السوري اعمق في الوجدان والشعور والواجب المقدس، وانكسرت شوكة الأعداء بحكم الاستمرارية في النضال والمقاومة ورفض الاحتلال، وفشل الرهان في الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، وتجددت عملية الاستنهاض للتخلص من المحتل الآثم،" فلا مناهج التدريز والتهويد نجحت، ولا محاولات الدمج في المجتمع الصهيوني العنصري أثمرت، ولا حلم العودة والتحرير الى حضن الوطن آلام سورية انتهى لحظة واحدة من وجدان أطفال الجولان، فالحلم أقوى والوطن أقوى". تقول إحدى الأمهات الصابرات التي لم تتخلف عن زيارة واحدة عن أولادها في المعتقل منذ17 عاما على التوالي، رغم تقدمها في العمر فهي تعتقد إنها ابنة 69 عاما، ورغم ألامها وأوجاعها تقول، "سأعيش حتى يتحرر وبعدها لا يهمني ان أموت. مات أبوه قبل ثلاث سنوات ولم يراه، سأعوضه عن أبوه وعن كل من يحب، سأبقى معه أينما يضعونه فالسجن واحد رغم كل عذابات السفر". وأم صابرة أخرى، عمرها ان لم تخنها ذاكرتها 75 عاما ولدت في مدينة السويداء في جبل العرب الأشم، لم تشاهد منذ الاحتلال أهلها على الإطلاق. مات والدها وماتت والدتها ومات أخويها الاثنين ولم تكن حاضرة في أحزان وأوجاع العائلة، لا تعرف سوى عدد أفراد عائلتها. رفض المحتل كل الرسائل والطلبات التي تقدمت بها عبر الصليب الأحمر الدولي للمشاركة في دفن أحبائها. رغم كل شئ في ماضيها الأليم والموجع لم تدمع عيناها إلا حين تحدثت عن أبنائها الاثنين في المعتقل،"ليس لديهم أحدا سواي. أتعبتنا هذه الرحلة يا ابني، لكن ما فعلوه في المقاومة فخرا لي ولابناء وطني كلهم أنا والدتهم وافتخر بهم وليتني أستطيع ان افعل ما فعلوه، هم ساروا على درب آبائهم وأجدادهم المجاهدين الثوار. أنا واثقة ان دولتهم وحكومتهم لن تتركهم... سيخرجونهم من السجن مرفوعي الرأس. لن تنساهم المقاومة في لبنان، فالشيخ الجليل "حسن نصر الله" سيحررهم من المعتقل رغم انف الصهاينة ". لا تستطيع ان تحبس دموعك وأنت تستمع الى ما تفيض به قلوب الأمهات والأهالي، من تجربة الاعتقال الطويلة التي نجح الفاشيين الصهاينة من خلالها معاقبة العائلة بكاملها بخلق وقائع جديدة ومنهكة ومتعبة وباهظة التكاليف المادية والعاطفية والمعنوية والإنسانية لاطول فترة زمنية ممكنة، ولكنهم لم يستطيعوا ان يثنوا أبناء كل تلك العائلات وعلى مدار ألـ34 عاما من عمر الاحتلال، ويكسروا إصرارهم وقناعتهم الوطنية والقومية والإنسانية. وهذا الطابور البشري من الكبار والصغار، من الطلبة والشباب والصبايا الذين اصبحوا في عمر رحلة الاعتقال يزاحم ليحجز لنفسه دورا لزيارة المعتقلين خير دليل على ان الفاشست الصهاينة فشلوا في رهانهم بالعزل والاعتقال والسجن الطويل، والتسبب في زيادة الأعباء والتكاليف والهموم والأحزان، من ان يدخلوا اليأس والقنوط والندم والتسليم بالأمر الواقع في قلوب المعتقلين أو ذويهم. وشعبنا انجب العشرات والعشرات والعشرات من الأحرار الذين هزموا السجن والسجان والقيد والقضبان، ومرغوا انف الغزاة والجلادين الصهاينة تحت نعال الأطفال الجولانيين، وتجربة جنوبنا البطل عنوانا عربيا أصيلا يترسخ ويتجسد يوميا في الاجندة اليومية الفلسطينية والسورية داخل الأراضي العربية المحتلة. وتبقى أخيرا معادلة الصمود داخل معتقلات العدو، فإما ان يهزمك الجلاد وعامل الزمن من التآكل والانهيار، واما ان تهزم الجلاد، بصمودك، بإرادتك، وثقتك بحتمية الانتصار والتحرير ولقاء الأهل والأمهات الصابرات، وتتابع مسيرتك النضالية الى جانب كل الأحرار حتى كنس الاحتلال من كل أرضنا الطاهرة الحبلى بالثورة |
| غير موجود |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
| |