الفصل الثاني
معصية الشيطان
معصية إبليس
قبل أن أذكر قصة عداء إبليس لآدم وذريته.. وكيف يوسوس لهم ويغريهم بالسوء.. لا بد لنا من وقفة عند معصية إبليس.. تلك المعصية التي استحق عليها لعنة الله الى يوم القيامة.
إبليس عندما رفض طاعة أمر الله بالسجود لآدم .. لم يحاول التوبة أو الرجع الى الحق.. لم يقل يا رب إن قولك حق.. وأمرك حق.. ولكني يا رب لم أقدر على نفسي فسامحني.. لم يفق لنفسه ويخرّ ساجدا.. بل إن الكبر كان قد ملأه.. فمضى في المعصية. يقول الحق سبحانه كما يروي لنا القرآن الكريم:
{قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} الأعراف 12.
وهكذا رد الأمر على الله سبحانه وتعالى.. وكأن الله جل جلاله قد غاب عنه أنه خلق الجان من نار، وخلق الانسان من طين.. وكان هذا كافيا لطرد إبليس من رحمة الله.. وطرده من المكان الذي كان يعغيش فيه مع الملائكة.. وهنا قال الحق سبحانه وتعالى:
{ قال فاهبط منها ما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج فإنك من الصاغرين} الأعراف13.
وقول الحق سبحانه {فاهبط منها} معناها أن إبليس.. كان في مكان عال قبل المعصية.. فلا يكون الهبوط الا من مكان عال الى مكان منخفض..
بعض الناس يأخذ الهبوط على أساس أنه يعني المسافة.. ولكن الهبوط قد يكون معنويا.. فلانسان مثلا.. إذا كان رئيسا أو حاكما.. ثم أقصي عن مكانه.. فقد هبطت منزلته..رغم أنه ما زال يعيش في البيت الذي عاش فيه.. أي أنه لم يهبط من أعلى الى أسفل من ناحية المسافة، ولكن مكانه هبط.. وبعد أن كان مقامه عاليا.. أصبح لا يساوي شيئا ولا قيمة له..
ويمكن أن يكون الهبوط من ناحية القيمة. أي أنك تؤمن أن إنسانا ما ذو قيمة عالية.. تراه يحترم نفسه.. لا يقل إلا الحق.. مهاب الجانب.. وفجأة يرتكب عملا شائنا. يجعله يسقط في نظرك.. فلا تحترمه ولا تقيم له وزنا.
إذن الهبوط ليس بالضرورة.. هبوطا ماديا في المسافة.. ولكنه قد يكون هبوطا في القيمة، في المكانة، ولذلك فإن إبليس ليس من الضروري أنه كان يعيش في الجنة وهبط منها كما يقول بعض المفسرين.. أو أنه كان يعيش في مكان عال من السماء.. بل من الممكن أن يكون نزولا معنويا.. بحيث أصبح لا يساوي شيئا.
الكبرياء لله وحده
الله سبحانه وتعالى حين قال له:{فاهبط منها..} أعطانا سبب هذا الهبوط في قوله تعالى:{ فما يكون لك أن تتكبر فيها..} أي أن السبب هو أن إبليس قد ملأه الكبر والغرور.. والله سبحانه وتعالى لا يحب المتكبرين.. وكل من أخذه الكبر.. ويعتقد أنه بذاته ونفسه يستطيع أن يحقق شيئا بعيدا عن قدرة الله سبحانه وتعالى. يناله غضب شديد من الله.. لماذا؟
لأن الفعل في هذا الكون كله لله جل جلاله.. فلا أحد يملك قدرات الفعل الا الله.. فلكل فعل ظرف زمان، وظرف مكان لا بد أن يقع فيهما.. وأنت لا تملك الزمان ولا المكان، فلا أحد يملك القدرة ليبقي حياته ولو دقيقة واحدة.. ولا أحد يملك القوة ليتحرك من مكان الى آخر.. إلا بإذن الله وأمره,, وقد ياتيه الأجل قبل أن يتحرك.. وقد ياتيه المرض ليشل قدرته عن الحركة.. فكيف يتكبر الانسان.. أو أي مخلوق من مخلوقات الله وهو لا حول له ولا قوة الا بأمر الله؟!.
الله سبحانه وتعالى طرد إبليس من المكان أو المقام الذي كان فيه.. لأنه تكبر واغتر.. واعتقد أنه يملك القوة الذاتية والقدرة الذاتية.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{ فاخرج إنك من الصاغرين..} أي أنه إذ كان لك كبر أو قوة أو ذاتية.. فابق في مكانك.. ولكنك ستخرج وأنت صاغر.. ستخرج رغما عن أنفك.. لا تستطيع المكابرة.. ولا يمكنك أن تدعي أن لك قوة تحميك.. أو تجعلك تستطيع أن تخالف أمر الله، بل ستخرج ذليلا صاغرا مهينا.
عندما أدرك إبليس أن الكبر الذي ملأ نفسه هو كبر زائف.. وأنه في الحقيقة لا يساوي شيئا في ذاته.. امتلأ قلبه بالحقد على آدم.. لأنه اعتقد أنه السبب في كل ما حدث له.. في طرده وفي هبوطه الى أسفل السافلين.. وفي غضب الله سبحانه وتعالى عليه.. والحقد الذي ملأ قلب إبليس دفعه الى محاولة الانتقام من آدم وذريته.. فكما قاه عدم إطاعة أمر الله بالسجود لآدم الى النار.. ثأرا منهم لما حدث له.. وكما طرد إبليس من رحمة الله.. إنه يريد الانتقام من آدم.. لأنه كان السبب في كل ما حدث.. من لعن وطرد لإبليس وكل من تبعه، إنه لا يريد أن يدخل الى النار وحده! وإنما يريد أن يحشد فيها من يستطيع اغواءه من الناس. ولذلك عندما خرج إبليس.. صاغرا ذليلا.. من المقام الذي كان فيه.. توجه الى الحق سبحانه وتعالى كما يروي لنا القرآن الكريم:
{قال أنظرني الى يوم يبعثون} الأعراف 14.
هكذا عاد إبليس الى المذلة.. يطلب من الله سبحانه وتعالى... أن يبقيه حيا الى يوم القيامة.. وقد كان يملؤه الكبر. ولو أن كبره كان حقيقيا ولبيس زيفا.. ولو أنه كانت له أي قوة ذاتية.. لما طلب الى اله سبحانه وتعالى أن يبقيه الى يوم القيامة.. ولأبقى نفسه.. ولكن لأنه لاةحول له ولا قوة الا ما شاء له الله.. فإنه اتجه الى اله سبحانه وتعالى ليبقيه حبا الى يوم القيامة.
ولكن لماذا استجاب الله تبارك وتعالى لدعاء إبليس.. وكان من الممكن أن يهلكه في التو واللحظة؟. لماذا قال الله جل جلاله:
{قال فإنك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم} الحجر 37 ـ37.
لقد استجاب الله دعاءه ـوهو المطرود من رحمته ـ لأن حكمة خلق الدنيا.. لا تكتمل الى بهذا.. فاله سبحانه وتعالى.. خلق الدنيا كدار اختيار.. وجعل الآخرة دار الجزاء.. والله جل جلاله يريد أن يمر عبده باختبار في الحياة الدنيا.. أن يمتحن قبل أن يجازى.. أن يكون شهيدا على نفسه يوم القيامة فيما فعل.. زاقرأ قول الحق تبارك وتعالى:
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}آل عمران 142.
وقوله جل جلاله:
{ ولبيتلي الله ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} آل عمران 154.
ولو أراد الله سبحانه وتعالى خلقا مقهورين على الطاعة كالملائكة.. لاستطاع أن يخلقهم.. ولو أراد الحق سبحانه وتعالى.. أن يطيع أهل الأرض جميعا منهج الله.. وأن يكونوا جميعهم مسبحين وعابدين لاستطاع أن يفعل ذلك.. ولكن الله جل جلاله اختار أجناسا تأتيه عن قهر كالملائكة وغيرها من خلق الله.. واختار أجناسا تأتيه عن قهر كالملائكة وغيرها من خلق الله.. واختار الانس والجن دون غيرهم من الأجناس ليأتوه عن حب ورغبة.. يكونون قادرين على المعصية.. ولكنهم لا يفعلونها حبا لله، ويكونون قادرين على عدم الطاعة.. ولكنهم يطيعون قربا لله.. إنه سبحانه وتعالى يريد خلقا يأتيه عن حب.. في فترة اختبار محدودة بعمر كل إنسان.
إننا بعد حلول الأجل سنكون مقهورين لارادة الله سبحانه وتعالى.. ذلك أن الانسان وهو يحتضر تنتهي ارادته البشرية تماما.. ولا تصبح له إرادة حتى على جسده.. لأن الارادة كانت في الدنيا.. أما ساعة الموت.. وفي حياة البرزخ.. بين الموت والبعث.. ويوم القيامة، فلا توجد إرادة لأحد.. فالكافر يقاد الى النار.. ويحاول أن يوقف قدمه عن السير فلا تقف، ويحاول أن يدفع النار بيديه فلا تندفع، ويحاول أن يهرب من الوقوف أمام الله، ومن العذاب.. فلا يستطيع.. كل ما كان في الدنيا.. من حول وقوة؛ قد انتهى.
الدنيا دار اختبار
والحياة الدنيا ـ لكي يكون فيها اختبار ـ لا بد أن يكون فيها إغواء وغواية.. ومن هنا كان إبقاء الحق سبحانه وتعالى لحياة الشيطان جزءا من الاغواء.. الذي سيتعرض له الانسان في حياته الدنيا.. اختبار من الله لحبه في قلوب عباده.. فمن أحب الله.. وقاه الحق سبحانه وتعالى من إغواء الشيطان، ومن أحب المعصية والكفر والعياذ بالله.. سلط الله تبارك وتعالى عليه الشياطين.. لتزيده معصية وكفرا.
واقرأ قوله سبحانه وتعالى:
{ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا فلا تعجل عليهم إنما نعدّ لهم عدّا} مريم 83ـ84.
وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى.. يجعل الانسان مع من أحب.. فإن أحب الله تبارك وتعلى.. كان مع الله.. فوقاه السوء وأبعد عنه الشياطين..وحفظه من الشر، وفتح أمامه أبولب الخير.. وإن كان يحب الشيطان.. تركه للشياطين التي هي عدو له.. تقوده الى المعصية.. وتجعل حياته شقاء مستديما ويزداد إثما على آثامه، ثم لا يأخذ معه شيئا إلا ذنوبه...
وحتى تكتمل تجربة الحياة على الأرض.. كان وجود الاغراء من الشيطان ضروريا.. وحتى يختبر الله عباده.. اختبارا إيمانيا حقيقيا، ويمحص ما في قلوبهم، كان لا بد من تجربة واقعية يمر بها الانسان في حياته.. وليست تجربة نظرية.. لأن الكلام النظري شيء، والواقع شيء آخر.. فقد تقول سأفعل كذا وكذا.. وعندما يأتي وقت الفعل قد لا تفعل.
والانسان حين حمل الأمانة.. وعد أنه سيؤديها حق أدائها.. وعندما جاء وقت الأداء.. أخذته الدنيا بإغوائها وإغرائها.. فاتبع الشيطان.. ونسي عهده لله. ونسي منهج الله.
فلا يظن أحد أن الله سبحانه وتعالى.. قد أجاب دعوة للشيطان.. ولكنه جل جلاله.. بما أعد للدنيا من منهج.. وبما أعده لحياة الانسان من ابتلاءات واختبارات.. أراد أن تتم الصورة كلها..
إذن فالاجابة كانت لمراد الله سبحانه وتعالى.. وليست استجابة لدعاء الشيطان أن يبقى الى يوم البعث ولا يقبضه اليه قبل ذلك اليوم.. ليظل الاغواء في الدنيا حتى آخر لحظة.. والابتلاء للانسان مستمر الى يوم القيامة.
عندما قضى الله سبحانه وتعالى.. لإبليس أن يبقى الى يوم القيامة.. عاد الغرور الى نفسه مرة أخرى. وأحس أن هذه هي فرصته.. لينتقم من آدم وذريته.. وقال الحق جل جلاله كما يروي لنا القرآن الكريم:
{قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم}الأعراف 16.
كيف دخل الشيطان الى باب غواية الانسان؟.. وبماذا دخل؟.. إذا قرأت الآية الكريمة التي تحكي مقالة الشيطان لله عز وجل:
{قال فبعزّتك لأغوينهم أجمعين} ص 82.
تعرف كيف دخل الشيطان الى غواية الانسان؟.. دخل من باب عزة الله سبحانه وتعالى.. وبأن الحق جل جلاله عزيز.. لا يحتاج لأحد من خلقه.. أي أن إبليس قال يا رب لو إنك أردتهم طائعين، ما استطعت أن أغوي واحدا منهم.. ولكنك لأنك عزيز على خلقك.. لا تزي طاعتهم في ملكك شيئا.. ولا تنقص معصيتهم في ملكك شيئا، فإنني بعزتك سأقوم بغوايتهم.. سأزين لهم المعصية.. سأقعد لهم على كل صراط مستقيم، أما الطرق غير المستقيمة فلا حاجة للشيطان أن يقعد عليها.. إنه لا يجلس ـمثلا على أبواب تناول الخمر ـ.. ولا عل أبواب الأماكن التي تتم فيها الفاحشة ـ فإن هؤلاء الناس الذين يرتادون هذه الأماكن التي تتم فيها الفاحشة ـ فإن هؤلاء الناس الذين يرتادون هذه الأماكن قد أصبحوا حنودا للشيطان ـ ليسوا محتاجين الى اغواء.. ولا الى وسوسة
على أبواب المساجد
إن الشيطان يجلس على أبواب المساجد.. وأماكن العبادة والذكر.. يحاول أن يغري الناس على عدم الصلاة.. فإذا أذن للصلاة... فإنه يحاول أن يغري الانسان بأي شيء حتى لا يذهب اليها.. فيذكره بما نسي من أشياء دنيوية.. ويوسوس له.. ويخوّفه بأنه إذا ذهب الى الصلاة ربما فاته بيع أو شراء أو مال أو مصلحة، وإن العمل عبادة وأنه.. الى أن يصرفه عن الذكر وعن الصلاة.
هناك قصة تروى عن الامام أبي حنيفة رضي الله عنه.. وكان مشهورا بالفتوى في أمور الدين.. فجائه رجل وقال: ضاعت مني نقودي.. فقد دفنتها في مكان من الأرض ونزل السيل فأخفى مكان النقود.. وأزال الحجر الذي وضعه علامة على المكان.. ولا أدري ماذا أفعل؟ فقال الامام أبو حنيفة: وبماذا أفتيك في هذا الأمر؟.. ولكن الرجل ألح.. فقال له الامام: إذهب الليلة بعد صلاة العشاء، وقف أمام ربك متهجدا الى أن يطلع الفجر.. وقل لي ماذا سوف يحدث.
وعندما جاءت صلاة الفجر.. جاء الرجل متهللا، وقال: لقد وجدت مالي.. فسأله أبو حنيفة: كيف؟ قال الرجل: ما كدت أقف للصلاة حتى تذكرت أين مكان النقود.. ومتى نزل السيل وكيف سار.. وهكذا قست المسافة وقدرتها.. فعرفت موقع النقود.. فضحك الامام أبو حنيفة رضي الله عنه وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك.
وهكذا عندما عرف الشيطان: إن هذا الرجل سيقوم ليلته مع الله.. أسرع اليه ليرشده عن مكان المال.. حتى يمنعه من الاستمرار في ذكر الله... وهذا هو أحد معاني ما جاء في القرآن الكريم:{ قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم}.
وهذا ما سنتعرض له في الفصل القادم إن شاء الله عندما نتحدث عنه بالتفصيل؛ عن طرق إغواء الشيطان للإنسان وأنه يقعد للإنسان في المساجد وأماكن العبادة.. ليلهيه ويمنعه عن ذكر الله.. وعن إقامة الصلاة.
ثم نمضي فيما يرويه القرآن الكريم:
{ ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا نجد أكثرهم شاكرين} الأعرف 17.
إننا إذا تدبرنا هذه الآية الكريمة نجد أن الشيطان.. قد حدد أربع جهات يأتي منها الى الانسان: اليمين واليسار والأمام والخلف.. والمعروف أن الجهات هي ست.. اليمين، اليسار، والأمام، والخلف.. وأعلى، وأسفل.. فلماا يأتي الشيطان للإنسان من كل الجهات وترك الأعلى والأسفل؟!
ونجيب على ذلك بأن الأعلى هو مكان صعود الدعاء.. وصعود الأعمال الصالحة لله سبحانه وتعالى.. والأسفل هو مكان السجود لله جل جلاله.. وكلاهما لا يستطيع الشيطان الاقتراب منه، فمكان السجود لله والخضوع له لا يقربه الشيطان.. وكذلك مكان صعود الدعاء والعمل الصالح.. فهذان المكانان مباركان لكل مؤمن، تحفهما الملائكة ولا تقربهما الشياطين.
لكن لا بد لنا أن نقف.. عند قول الحق تبارك وتعالى: {ولا تجد أكثرهم شاكرين}.
من الذي أنبأ الشيطان وعرفه أكثر الناس لن يكونوا شاكرين لله على نعمه وفضله.. والله سبحانه وتعالى يقول:
{ ولكن أكثر الناس لا يشكرون} البقرة 243.
هل أوتي الشيطان من علم الغيب.. ما جعله يعرف أن أكثر الناس لن يكونوا شاكرين.. أم أنه كان واثقا من نفسه وثوقا جعله يقول هذا الكلام؟!.
فالشيطان لا يعرف الغيب.. ولم يؤت هذا العلم حتى يقول إن أكثر عبادك لن يكونوا شاكرين.. كما إنه لم يكن لديه من العلم ما يجعله جازما وواثقا من أن ذلك سيحدث نتيجة إغوائه للإنسان.
إن القرآن الكريم يكشف لنا كيف قال الشيطان هذا الكلام.
يقول الحق سبحانه وتعالى:
{ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنّه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين} سبأ 20.
إذن فقد كان ما قاله إبليس ظنا فقط.. فلم يكن يعلم غيبا.. ولا يدري ما سيحدث في المستقبل.. وجاء حكم الحق سبحانه وتعالى على إبليس ومن تبعوه: كما يقول رب العزة في كتابه الكريم:
{ قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنّم منكم أجمعين} الأعراف 18.
وهكذا طرد إبليس.. من رحمة الله ومن الجنة.. ومن أي مكان فيه قرب من الله.. وأصبح مذموما ملعونا. ليس هو فقط.. ولكن هو وكل من تبعه من الجن والانس.. مصيرهم جميعا هو الخلود في النار .. فالله عز وجل أعد لكل عبد من عباده.. من الإنس والجن.. مكانا في الجنة ومكانا في النار.. حتى إذا عصى الخلق جميعا وسعتهم النار.. وإن أطاع الخلق جميعا وسعتهم الجنة.. ويوم القيامة فإن أصحاب الجنة يرثون ـ فوق ما أعده الله لهم من الجنة ـ الأماكن المخصصة .. لمن قضى الله سبحانه وتعالى عليه بالعذاب في جهنم يوم القيامة والعياذ بالله بعد ذلك.
لقد أراد الله سبحانه وتعالى بعد أن أنظر الى إبليس الى يم القيامة أن يحصن آدم ويعرفه التجربة التي هو مقدم عليها .. ويبين له كيف أن الشيطان عدو له.. وكيف أنه سيغريه على المعصية.. وكيف أنه سيعده كذبا.. ولن يحقق وعده.. وأراد الحق تبارك وتعالى.. أن يتم ذلك تجربة يمر بها آدم وحواء.. حتى إذا نزلا الى الأرض.. كانت هذه التجربة وقاية لهما من إغواء الشيطان.. فقال الحق سبحانه وتعالى:
{ويا آدم اسكن أنت وزوجك فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} الأعراف 19.
وهكذا أعدّ الله تبارك وتعالى.. مكان التجربة لآدم وحواء.. في جنة فيها كل أسباب الحياة.. بلا تعب ولا جهد.. وفر لهما الطعام من ثمار مختلفة.. ووفر لهما الشراب.. وفتح لهما من النعيم كل ما يشتهيانه.. وأباح لهما كل ثمر الجنة. ما عدا شجرة واحدة.. طلب منهما ألا يقتربا منها.
إنها حياة مريحة مليئة بالنعم المباح فيها كثير، والممنوع منها أقل القليل.. شجرة واحدة هي الممنوعة.. وحذرهما الله سبحانه وتعالى.. من أن الشيطان عدو لهما.. وطلب منهما ألا يستمعا الى ما يقوله لهما.. لأنه يريد بهما السوء.. ولا يريد لهما الخير.. فما الذي حدث؟ إنه رغم كل هذا التحذير.. ورغم أن المباح كثير والممنوع هو شجرة واحدة.. فإن الشيطان استطاع بإغوائه أن يوقع آدم وحواء في المعصية.
بعض المفسرين يقولون: إن حواء هي التي وقعت في المعصية أولا.. ثم أوقعت آدم.. وأنها هي السبب في خروج آدم من الجنة.. فهل هذا صحيح؟ وهل حواء هي التي تحمل المعصية الأولى في خروج آدم من الجنة.. أم أن هذا غير صحيح.. وما هي الحقيقة؟وماذا حدث؟
وقبل أن نجيب على هذه الأسئلة.. نجمل ما قلناه في هذا الفصل من أن الكبر قد ملأ إبليس.. فجعله يغتر بنفسه.. ويرد الأمر على الله سبحانه وتعالى.. ويقول خلقتني من نار وخلقته من طين.. يريد أن يبدل أمر الله.. فلعنه الله وطرده من رحمته.. وجعله من أهل النار هو وكل من اتبعه.. ولكن إبليس اتخذ مدخلا ليغوي آدم وذريته.. وهذا المدخل هو أن الله تبارك وتعالى عزيز غني عن خلقه جميعا: لا يضره من ضل.. ولا ينفعه من آمن.
من هذا المدخل دخل إبليس الى غواية بني آدم.. والله سبحانه وتعالى جعل الدنيا دار اختبار.. ولذلك كان لا بد من الغواية.. ليعلم الله الصادقين في إيمانهم.. (علم شهادة) ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة.
لقد شاءت إرادة الله أن يدخل آدم في تجربة عملية في إغواء الشيطان.. ليحذره ويعلمه مما سيلاقيه في الحياة الدنيا..
فكيف تمت هذه التجربة؟
الفصل الثالث
آدم والشيطان
طرد الله سبحانه وتعالى الشيطان، وأخرجه مما كان فيه.. والخروج هو مجاوزة المكان أو مغادرته.. والشيطان خرج مطرودا وملعونا ومذموما.. والله سبحانه وتعالى وعد كل من اتبع الشيطان بالعذاب في النار.
إن الله جل جلاله قد أعد الجنة ـ كما قلنا ـ أماكن لكل خلقه.. من خلق آدم الى قيام الساعة.. وأعد في النار أماكن لكل خلقه.. من خلق ادم الى قيام الساعة.. وأعد في النار أماكن لكل خلقه.. من آدم الى قيام الساعة.. فلو أطاع كل الخلق لوسعهم نعيم الله في الجنة، ولو عصى كل الخلق لنالهم عذاب الله في النار.
ولو شاء الله أن يقوم آدم وحواء بتجربة عملية على كيفية مواجهاتهما وذريتهما وسوسة الشيطان.. وذلك حتى يكونوا محصنين منها.. ويعرفوا أن الشيطان كاذب فيما يعد.. وأن الشيطان لا يأتي منه الا الشر والضرر وزوال النعمة.
الله سبحانه وتعالى يقول:
{ وياآدم اسمن أنت وزوجك الجنة فكلا منها حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} الأعراف 19.
ومن هذه الآية الكريمة... نعرف أن آدم وحواء سكنا الجنة.. وكثير من العلماء قالوا.. إن المقصود بالجنة في الآية الكريمة هي جنة الخلد في الآخرة.. مما دفع المستشرقين وغيرهم أن يتساءلوا: كيف يمكن أن يدخل إبليس جنة الطائعين لله ليوسوس لآدم وحواء ويغريهما بالمعصية؟! كيف يمكن لإبليس..و هو عاص مطرود من رحمة الله.. ومحكوم عليه بالعذاب في النار.. أن يدخل جنة الخلد؟
ثم كيف يمكن لآدم وحواء.. أن يدخلا جنة الخلد ثم يخرجا منها؟.. مع أن الله سبحانه وتعالىقد كتب أن كل من يدخل الجنة يبقى خالدا فيها؟
نقول لهؤلاء جميعا.. إنكم لم تفهموا مدلول كلمة (جنة) في القرآن الكريم.. إن هناك شيئا في اللغة العربية يسمى غلبة الاستعمال.. ذلك أن اللفظ يكون له معان متعددة.. ولكنه يؤخذ عادة على معنى واحد.. إذ قاله الانسان إنصرف الذهن الى هذا المعنى بالذات.. من هنا فإننا عندما نسمع كلمة (جنة) . ينصرف ذهننا الى جنة الآخرة.. لأنها هي الجنة الحقيقية.. ولكن الله سبحانه وتعالى استخدم كلمة جنة في القرآن الكريم في معان متعددة.. الجنة في اللغة معناها الستر.. ولذلك فهي تطلق على المكان الذي فيه أشجار غزيرة زمتنوعة.. بحيث إذا مشى الانسان فيه.. سترته هذه الأشجار بأغصانها المتشابكة عمن هم خارج هذه الجنة فلا يرونهم.. وفي نفس الوقت.. فهو يجد فيها أسباب معيشته كاملة.. ولذلك فهو لا يحتاج الى الخروج منها.. هذا هو المعنى اللغوي للجنة.
ليست جنة الخلد
فإذا بحثنا في القرآن الكريم وجدنا أن القرآن استخدم كلمة "الجنة" في أكثر من معنى.. استخدمها بمعناها اللغوي (بمعنى الستر) وفي معناها الديني (جنة الآخرة) وفي ذلك نجد آيات كثيرة بهذين المعنيين كقول الحق سبحانه وتعالى:
{واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنّتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا} الكهف 32.
وقوله جل جلاله:
{أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات} البقرة 266.
وقوله تعالى:
{لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنّتان عن يمين وعن شمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} سبأ 15.
كل هذه الآيات الكريمة.. استخدم فيها الحق سبحانه وتعالى.. كلمة "جنة" وهو يعني جنة الدنيا.
ولقد قال بعض العلماء: إن الله تبارك وتعالى.. قد فرق بين جنات الدنيا وجنات الآخرة.. فلفظ (الجنة) يطلق على جنة الآخرة وحدها.. ولفظ (جنة) من غير الألف واللام.. يطلق على جنات الدنيا.. ولكن هذا الكلام غير صحيح.. بدليل أن اقتران الألف واللام بجنة الدنيا، كما جاء في قوله تبارك وتعالى:
{ إنّا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون} القلم 17 ،18.
والحديث هنا في هاتين الآيتين.. عن جنة أو حديقة من حدائق الدنيا.. إذن فالألف واللام.. لا يميزان لفظ جنة.. بحيث يصبح المعنى هو جنة الآخرة.. ولا بد أن نقف هنا قليلا.. عند بعض الأقوال التي تدعي أن آدم وحواء كانا يعيشان في جنة الخلد.. وعندما عصيا الله طردهما من الجنة.. وأنزلهما ليعيشا في شقاء على الأرض.
نقول: إن هذا الكلام غير صحيح في إطلاقه.. وذلك أن الله سبحانه وتعالى.. قبل أن يخلق ىدم حدد مهمته في هذه الحياة. واقرأ قوله جل جلاله:
{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} البقرة 30.
إذن قبل أن يتم خلق آدم.. كانت الغاية من خلقه أنه سيعيش في الأرض ويعمرها.
والنقطة الثانية هي أنه لو أن آدم قد طرد من الجنة لأنه عصى.. فما ذنبنا نحن حتى نرث المعصية ونرث الشقاء.. إن هذا يتنافى مع عدل الله تبارك وتعالى في قوله:
{ولا تزر وازرة وزر أخرى} فاطر 18.
إن كل إنسان يحاسب عما فعله فقط.. ولا يحاسب عما فعله أبواه.. أو جداه أو أولاده.. لأن الانسان لا يحمل الا حسناته أو معاصيه.. ومن هنا كان يمكن أن يكون آدم قد عاش في جنة الخلد.. ثم طرد منها لأنه قد عصى. وتحملنا نحن نتيجة المعصية.. وورثناها وعذبنا بها بأن طردنا من الجنة، لأنه لو لم يعص آدم لعشنا نحن في الجنة.. نقول لهؤلاء أن هذا يتنافى مع عدل الله الذي يأبى أن تورث المعصية.
ولكن لماذا جعل الله سبحانه وتعالى إقامة آدم وحواء بعد خلقهما في جنة؟
نقول: إن لذلك حكمة.. فآدم خلق ليتلقى المنهج من الله.. افعل لا تفعل.. وهذا المنهج فيه صلاح الحياة على الأرض.. فما قال عنه الله سبحانه وتعالى إفعل.. إن لم تفعله فسدت الأرض، وما قال عنه لا تفعل.. إن فعلته فسدت الأرض.
إن الله تبارك وتعالى.. وضع آدم وحواء في هذه الجنة ليأخذا تجربة عملية عن تطبيق منهج الله.. وليأخذا تحذيرا عمليا.. عن مهمة الشيطان في إفساد منهج الله.. لأن مهمة الشيطان أن يدفع آدم وذريته ليفعلا ما نهاهما الله ألا يفعلاه.
وألا يفعلا ما أمرهما الله جل جلاله بفعله.. فإن قال الله لهما لا تشربا الخمر.. سيزين لهما شرب الخمر، وإن قال الله لهما الله أقيما الصلاة.. زين الشيطان لهما ترك الصلاة.. وهكذا.
لقد كانت التجربة بسيطة في أدائها.. عظيمة ي مدلولها.. كانت عمليا لآدم عليه السلام.. على ما سيحدث له إذا أطاع الله.. وعلى ما سيحدث له إذا أطاع الشيطان.. وهكذا جاء الله سبحانه وتعالى بآدم.. ووفر له كل مقومات الحياة في مكان اسماه الجنة.. فقال جل جلاله لآدم:{ وياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} الأعراف 19.
أول مناهج السماء
الحق سبحانه وتعالى بيّن لآدم الميزات التي سيحصل عليها في هذا المكان الذي سيقيم فيه.. فقال جل جلاله:
{إنّ لك ألا تجوع وفيها ولا تعرى وأنّك لا تظمؤا فيها ولا تضحى} طه 118ـ119.
أي في هذه الجنة طعام يكفيك وكساء يسترك.. وماء تجده دائما فلا يصيبك الظمأ.. وليس فيها تعب.. ثمار هذه الجنة مباح لك.. بل كل ما فيها مباح لك.. ما عدا شجرة واحدة لا تقترب منها..ولا تأكل من ثمارها.
إن هذا هو منهج الله في الأرض.. إنه جل جلاله يبيح لنا الكثير جدا.. ويحرم علينا أقل القليل.. وحذر الله سبحانه وتعالى آدم وحواء.. من عدوهما إبليس.. فقال تعالى:
{ فقلنا ياآدم إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنّكما من الجنة فتشقى} طه 117.
وكان هذا التحذير كافيا. لينتبه الى عداوة إبليس.. فلا يستمع الى وسوسته.. ولا يصدق أكاذيبه.
لقد وفر الحق جل جلاله لآدم كل مقومات الحياة من غذاء.. يعطيه ما يحتاجه جسده بدون فضلات.. فالله سبحانه وتعالى يغذي الجنين في بطن أمه بالقدر الذي ينميه.. ولا تخرج منه فضلات.. لأن الغذاء على قدر النمو.. وكان غذاء آدم في الجنة على قدر نموه.
ويجب أن ننتبه الى أن الجنة التي عاش فيها آدم.. ليست هي جنة الخلد.. لأن الحياة في جنة الخلد لا تأتي الا بعد الحياة الدنيا.. فهي جزاء لاتباع منهج الله في الدنيا.. وأنها ليست سابقة للحياة الدنيا.. ولكنها لاحقة لها وتأتي بعدها.
إذن فالجنة التي عاش فيها آدم.. وهي مكان فيه كل ما تحتاجه وما تتطلبه.. ولا بد أن نلاحظ.. أن الله سبحانه وتعالى.. قال لادم وحواء:{ولا تقربا هذه الشجرة..} ولم يقل لهما "ولا تأكلا من هذه الشجرة" .. لماذا؟.. لأن الله يريد أن يحمي آدم وذريته من إغراء المعصية.. فلو أن الله جل جلاله قال:لا تأكلا.. لكان أباح لآدم وحواء أن يقتربا من الشجرة.. ويجلسا الى جوارها.. ويتأملا ثمارها.. وحينئذ كان يغريهما شكل الثمار.. أو لونها أو رائحتها فيأكلان منها..
لكن الحق تبارك وتعالى؛ أراد أن يحمي آدم من نفسه.. ومن الاغراء الذي يمكن أن يتعرض له.. وقد لا تقوى نفسه عليه.. هذه الحماية التي أراد الله أن يوفرها لآدم وذريته من بعده.. هي الحماية الحقيقية من الوقوع في المعصية.. لأنك إذا قتربت من شيء حرّمه الله.. تكيل نفسك اليه.. وربما دفعك هذا القرب الى إقترافه.
ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى.. يطلب منا ألا نقترب من قمم المعاصي فيقول:
{ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه، وأحلت لكم الأنعام الا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}. الحج30.
ولم لم بقل تبارك وتعالى لا تعبدوا الأوثان.. فلو قالها لكان مباحا لنا أن نذهب الى الأماكن التي تعبد فيها الأصنام وأن نجلس فيها.. فإذا فعلنا ذلك.. ربما أوقعنا هذا الجلوس والعياذ بالله في عبادة الأصنام.. وكذلك اقرأ قول الحق جل جلاله:
{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} المائدة 90.
أي لا تقربوا أماكنه.. والغريب أنك تجد بعض الناس يحاول أن يجادلك في أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم الخمر.. ويقول لك: ائتني بآية من القرآن الكريم يقول فيها تبارك وتعالى حرمت عليكم الخمر.
ونقول لأمثال هؤلاء المشككين: إن الأمر الذي ورد بالاجتناب أقوى من التحريم.. فلو أن الله جل جلاله قال: حرمت عليكم الخمر.. لكان المحرم فقط هو شرب الخمر.. وكنا في هذه الحالة نصنعها ونتاجر فيها.. ونعد الأماكن التي يتم فيها تناولها.. ونخدم شاربيها ونجلس معهم.ز فما دمنا لا نشرب الخمر.. وما دام قد نزل فيها أمر تحريم فقط .. فلنا أن نفعل كل هذا.. ولكن الاجتناب حرم أن نقترب أساسا من الأماكن التي يتناولون فيها الخمر.. أو نصنعها أو نتاجر فيها أو نجالس الذين يشربونها.. فالاجتناب أقوى من التحريم.. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى طلب من آدم وزوجته ألا يقتربا من الشجرة المحرمة.. والا يكونا قد ظلما نفسيهما.
بداية المعصية
ماذا فعل الشيطان؟.. إنه يريد أن يوقع آدم وحواء في المعصية.. فماذا فعل؟.. يقول الحق سبحانه وتعالى:
{فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما} الأعراف 20.
قول الحق سبحانه وتعالى "وسوس" .. تدل على أن الحديث دار همسا بصوت خافت.. والوسوسة هي إغواء الشيطان.. وهي إغراء بارتكاب الشر، والذي يتحدث ويأمر بالخير لا يهمه أن يكون حديثه بصوت عال.. ولكن الحديث في الشر والغواية لا يتم الا همسا بصوت خافت .
والوسوسة باللغة العربية.. هي صوت رنين الذهب والحلي.. وهو صوت يجذب الناس ويغريهم ويلفت نظرهم، والوسوسة لا بد أن يكون فيها إغراء.. لأنك إذا أردت أن تخرج الناس عن منهج الله لا لد أن تغريهم بمتعة دنيوية سيفوزون بها.
إننا لا بد أن نتوقف عند قوله تعالى:{ فوسوس لهما الشيطان..} لأن الشائع أن الشيطان أغوى حواء.. وأن حواء هي التي أغوت آدم.. وزينت له المعصية حتى أكل من الشجرة.. وأنه لولا حواء لبقي آدم في الجنة!
نقول: أن اله سبحانه وتعالى برأ حواء من هذه الفرية.. فقوله تعالى:{فوسوس لهم الشيطان} دليل على أن السيطان.. هو الذي زيّن المعصية لآدم كما زينها لحواء.. أي ان الشيطان هو الذي قام باغواء آدم وحواء.. ولم تقم حواء بإغواء آدم على المعصية.. والغواية جاءت من الشيطان للإثنين معا..
ولكن ما الهدف من هذه الوسوسة؟.. هدفه أن يعصي آدم وحواء ربهما.. فيعاقبا كما عوقب الشيطان بالطرد من رحمة الله.. والعقوبة هنا هي أن تظهر سوءات آدم وحواء.. والسوءة هي ما يسوؤك النظر اليه.. أو هي العورة.. لأن الفطرة تجعل الانسان يخجل من أن يظهر عورته على الناس.
وقبل أن يأكل آدم وحواء من الشجرة لم ير أحدهما عورة الآخر.. ولا عورة نفسه... فلا آدم رأى عورته ولا عورة حواء.. وكذلك حواء لم ترى عورتها ولا عورة آدم.. كلاهما ستره الله عن الآخر.
لقد أتعب العلماء أنفسهم في كيف كانتا عورتها آدم وحواء مستورين عنهما؟. قال بعضهم: كان عليهما اللباس.. وقال آخرون: أن أظافر آدم وحواء كانت طويلة.. حتى كانت تصل الى قدميهما.. وكانت هي التي تستر العورة.. ثم زالت هذه الأضافر بالمعصية.
ولكن ذلك لا يجب أن يشغلنا.. فالله سبحانه وتعلى.. كان يستر عورتي آدم وحواء. بما شاء من انواع الستر.. بنور قوي من عنده.. فالنور إذا كان قويا فلا تستطيع أن ترى الأشياء من خلاله.. فإن النور في ضعفه نميز به الأشياء.. وفي قوته يخفيها عنا.. وسواء ستر الله سبحانه وتعالى عورتي آدم وحواء بثوب أو بأظافر.. أو بنور من عنده.. فالمهم أن هذه العورات كانت مستورة من أعينهما.
وظهرت عورة الانسان
والسؤال لماذا نستاء عندما تظهر عوراتنا؟.. إن العوراتهي مكان خروج فضلات الطاعم والشراب.. إننا نحرص على كشف أماكن دخول الطعام والشراب كالفم مثلا.. ونحرص حرصا شديدا في نفس الوقت.. على عدم إظهار أماكن خروج فضلات الطعام والشراب.
يقول بعض العلماء في تعليل لك: إن العورة تذكرنا بمعصية الله.. فعندما حدثت المعصية ظهرت العورة.. ولذلك فنحن نريد أن نسترها.. لأنها رمز للمعصية.. والمعصية عورة يحاول الانسان دائما أن يخفيها ويخجل منها.. يحرص ألا يراه الناس، والرجل مع زوجته يحرص على أن لا يراه أحد.. ويحتاط لذلك أشد الاحتياط.. الانسان عندما يكون معه مال حلال.. يخرجه أمام كل الناس.. ولا يخشى شيئا.. والانسان ومعه مال مسروق يحاول أن يخفيه عن الدنيا كلها.. فالمعصية في كل أحوالها عورة يحرص الناس على إخفائها وسترها.
ولكن كيف تم إغواء الشيطان لآدم وحواء؟.. كيف أوقعهما في المعصية؟
اقرأ قول الحق جل جلاله:
{وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}.الأعرف 20.
جاء الشيطان لهما من جهة ما تريده النفس البشرية وتتمناه.. وهو حياة خالدة لا تنتهي ولا تزول.. وملك دائم لا ينفد.. ولذلك فإن الشيطان حين أراد أن يغري آدم وحولء بأن لا ياكلا من الشجرة قال لآدم كما يروي لنا القرآن الكريم:
{هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} طه 120.
والشيطان كاذب فيما يقول.. فلو كانت هذه شجرة الخلد فعلا لأكل منها الشيطان نفسه وأصبح خالدا لا يموت.. ولكنه طلب من الله أن يبقيه الى يوم القيامة.. لأنه يعلم يقينا أن الله هو خالق الحياة.. وأنه وحده الذي يبقيها أو يذهبها..
ولا بد أن ننتبه الى طريقة اغواء الشيطان.. إنه يحاول إغواء الانسان.. بأن منهج الله سبحانه وتعالى يضره ولا ينفعه.. وان النفع الحقيقي هو في المعصية.. لهذا قال لآدم وحواء.. إن الله منعهما من الأكل من هذه الشجرة.. حتى لا يكون لهما الملك والخلود.. والانسان يكره الفقر ويكره الموت.. ويريد أن يبقى خالدا.. ولذلك جاء لهما الشيطان ليقول لهما: إذا أردتما الخلد والملك.. فأمامكما هذه الشجرة.. وحلف لهما كما يروي القرآن الكريم:
{وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} الأعراف 21.
أي أقسم لهما أنه يريد لهما النصح.. وصدّقا القسم.. صدقا الشيطان في أنه يريد لهما الخير.. ولذلك عاتب الله سبحانه وتعالى.. آدم وحواء بأنهما صدقا قسم إبليس.. مع أنه جل جلاله قد بيّن لهما أن إبليس عدو لهما لا يريد لهما الخير.. وذلك في قوله تعالى:
{ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} الأعراف 22.
ولكن آدم وحواء هما اللذان أحسا بالندم الشديد.. ما كانا يعاقدان أن خلقا من خلق الله يقسم بالله على باطل.. ولذلك قال قتادة رضي الله عنه: المؤمن بالله يخدع.. أي إذا دخلت على مؤمن بالله سهل لك خداعه.
وكان سيدنا عبدالله بن عمر: عندما يحسن أحد عبيده الصلاة يعتقه.. فكان العبيد إذا رأوه بدأوا يصلون بخشوع.. فقال له الناس: غن العبيد يخدعوك لتعتقهم.. فقال لهم عبدالله بن عمر: من خدعنا بالله انخدعنا له.
الحق سبحانه وتعالى يقول:
{ فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} الأعرف 22.
لفظ "دل" مأخوذ من دلى حبل الدلو في البئر ليبحث عن الماء.. والغرور هو الاغراء الذي يوقع الانسان في المخالفة.
وهنا لنا وقفة.. لا يظن احد أن إبليس أوقع آدم وحواء.. في المعصية على مرحلة واحدة.. بل سبق ذلك مراحل.. فإبليس خدعهما أولا ليقتربا من الشجرة، ثم زيّن لهما ثمارها وحلاوتها ولونها ورائحتها، ثم بعد ذلك أغراهما بالأكل! أي أن المعصية تمت على مراحل ولم تتم دفعة واحدة.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" تعرض الفتن على القلوب عودا عودا كالحصير".. لذلك لا بد لنا أن ننتبه.. أن الاقتراب من المعصية يوقعنا فيها.
ماذا حدث؟.. هل كرر آدم وحواء المعصية.. وأكلا مرات ومرات من الشجرة؟.. الحق تبارك وتعالى يقول:{ فلما ذاقا الشجرة..} أي بمجرد التذوق.. ولم يكن هناك إصرار على تكرار المعصية.. إنه بمجرّد التذوق ظهرت لهما عوراتهما فقاما بإخفائها أو مداراتها.. بورق أشجار الجنة.. ومعنى ذلك إنهما احتاجا الى أكثر من ورقة ليداريا العورة..
وهنا نرى عدل الله سبحانه وتعالى في أنه حذرهما أولا من المخالفة.. وأبلغهما بالجزاء أو العقاب.. حتى يكون العقاب عدلا وحقا.. ولذلك فإن التشريع الالهي لا يوجد فيه ما يسمى بالقوانين بأثر رجعي.. فلا تجريم في العدل الالهي إلا بنص.. والنص هو نهي لآدم وحواء.. أن يقربا هذه الشجرة.. وأن الشيطان عدو لهما.. وقول الحق {ألم أنهكما عن تلك الشجرة} الأعراف 22. بصيغة الاستفهام..معناه أنه لا يوجد الا جواب واحد.. نعم يا رب نهيتنا.
لقد كان الهدف من هذه التجربة العملية من الله سبحانه وتعالى.. ليحصن آدم وحواء وذريتهما من الشيطان.. فيعرفا أنه كاذب في كل ما يعد به.. وأنه يريد بهما السوء.. ولو تظاهر بأنه يريد لهما الخير.. وأن مهمة الشيطان أن يستخدم كل الحيل.. لاغراء آدم وذريته على المعصية.. وأن يستخدم كل الحيل لايقاع آدم وذريته فيما نهى الله عنه.
ولكن هل انتهت المعركة؟.. إنها لم تنته.. ولكنها استمرت وستستمر الى أن تقوم الساعة.