| الـمـشـرفه العـامـه | رد : حـــوار هـــادئ مع عبد النبي . عبد الله :
لا ,أنا لا أنكرها, ولا أتبرأ منها , بل هو الشافع المشفع صلى الله عليه وسلم وأرجو شفاعته , ولكن الشفاعة كلها لله , كما قال تعالى :
(قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً) (الزمر:44)
ولا تكون إلا من بعد أن يأذن الله كما قال الله تعالى :
( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (البقرة:255)
ولا يشفع لأحد إلا بعد أن يأذن الله فيه, كما قال الله تعالى:
(وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (الانبياء:28)
وهو لا يرضى إلا التوحيد , كما قال الله تعالى :
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)
فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا بعد إذنه , ولا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه , ولا يأذن إلا لأهل التوحيد , فقد تبين أن الشفاعة كلها لله ,
فأنا أطلبها منه فأقول :
( اللهم لا تحرمني شفاعته , اللهم شفعه فيّ ونحو ذلك )
عبد النبي :
اتفقنا أنه لا يجوز أن يُطلب من أحد شئ لا يملكه , والنبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله الشفاعة ’ ولأنه أعطيها فقد ملكها , وبهذا يجوز أن أطلب منه ما يملكه ولا يكون ذلك شركاً .
عبد الله :
نعم هذا كلام صحيح لو لم يمنعك الله عز وجل من ذلك , حيث قال الله تعالى :
( فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) (الجـن:18)
وطلب الشفاعة دعاء , والذي أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة هو الله , وهو الذي منعك من أن تطلبها من غيره أياً كان المطلوب ، وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي صلى الله عليه وسلم فصح أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون – وهم الأطفال الذين ماتوا قبل البلوغ – والأولياء يشفعون , فهل تقول :
أن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم ؟
فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه , وإن قلت لا , بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وانا أطلبه مما أعطاه الله .
عبد النبي :
لكني لا أشرك بالله شيئاً , والإلتجاء للصالحين ليس بشرك .
عبد الله :
هل تعترف وتقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا , وأن الله لا يغفره ؟
عبد النبي :
نعم أقر بذلك , وهو واضح في كلام الله جل وعلا .
عبد الله :
أنت الآن نفيت عن نفسك الشرك الذي حرمه الله , فهل لك بالله عليك أن تبين لي ماهو الشرك بالله الذي لم تقع انت فيه ؟ ونفيته عن نفسك ؟
عبد النبي :
الشرك هو عبادة الأصنام , والتوجه إليها , وطلبها , والخوف منها .
عبد الله :
ما معنى عبادة الأصنام ؟
أتظن أن كفار قريش يعتقدون أن تلك الاخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها ؟ هم لا يعتقدون ذلك كما ذكرت لك .
عبد النبي :
لا , بل من قصد خشبةً أو حجراً أو بنايةً على قبر أو غيره يدعون ذلك , ويذبحون له , ويقولون : إنه يقربنا إلى الله زلفى , ويدفع الله عنا ببركته , فهذه هي عبادة الأصنام التي أعني .
عبد الله :
صدقت , وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية والحديد التي على القبور وغيرها , وأيضاً قولك : الشرك عبادة الأصنام !هل مرادك أن الشرك مخصوص بمن فعل ذلك فقط ؟ وأن الإعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في مسمى الشرك؟
عبد النبي :
نعم هذا ما أردت .
عبد الله :
إذاً أين انت من الآيات الكثيرات التي ذكر الله فيها تحريم الإعتماد على الصالحين والتعلق بالملائكة وغيرهم , وكفر من فعل ذلك , كما سبق وأن ذكرت لك ذلك .
عبد النبي :
لكن الذين دعوا الملائكة , والأنبياء لم يكفروا بهذا السبب , ولكن كفروا لما قالوا أن الملائكة بنات الله , والمسيح ابن الله , ونحن لم نقل : عبد القادر ابن الله , ولا زينب بنت الله !
عبد الله :
أما نسبة الولد إلى الله فهو كفر مستقل , قال عز وجل :
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ) (الاخلاص:1-2) .
والأحد : الذي لا نظير له والصمد : المقصود في الحوائج , فمن حجد هذا فقد كفر , ولو لم يجحد آخر السورة , ثم قال الله تعالى :
(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون:91)
ففرق بين الكفرين , والدليل على هذا أيضاً أن الذي كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلاً صالحاً لم يجعلوه ابن الله , والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك , وكذلك المذاهب الاربعة يذكرون في باب ( حكم المرتد ) أن المسلم إذا زعم أن لله ولداً فهو مرتد , وان أشرك بالله فهومرتد , فيفرقون بين النوعين .
عبد النبي :
ولكن الله تعالى يقول :
(أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62)
عبد الله :
ونحن نؤمن أنه الحق ونقول به , ولكن لا يعبدون , ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله , وإشراكهم معه , وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم , والإقرار بكراماتهم , ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع , ودين الله وسط بين طرفين , وهدى بين ضلالين , وحقٌ بين باطلين .
عبدالنبي :
الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله , ويكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينكرون البعث , ويكذبون القرآن , ويجعلونه سحراً , ونحن نشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدأً رسول الله , ونصدق القرآن , ونؤمن بالبعث , ونصلي , ونصوم , فكيف تجعلوننا مثل اولئك ؟
عبد الله :
ولكن لاخلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ وكذبه في شئ أنه كافر لم يدخل في الإسلام , وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه , كمن أقر بالتوحيد وجحد الصلاة , أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة , او أقر بهذا كله وجحد الصوم , أو أقر بهذا كله وجحد وجوب الحج , ولما لم ينقذ أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج أنزل الله تعالى في حقهم :
( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97)
وإن حجد البعث كفر بالإجماع , ولذلك صرّح الله في كتابه أن من آمن ببعضٍ وكفر ببعض فهو الكافر حقا , وأمر أن يؤخذ الإسلام جملة , ومن أخذ شيئاً وترك شيئاً فقد كفر , فهل أنت
تقر أن من آمن ببعض وترك البعض كفر ؟
عبد النبي :
نعم اقر بذلك وهو واضحٌ في القرآن الكريم .
عبدالله:
فإذا كنت تقر ان من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في شئ وجحد وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم والمال بالإجماع , وكذلك إذا أقر بكل شئ إلا البعث ولا تختلف المذاهب فيه , وقد نطق القرآن كما قدمنا , فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم , وهو أعظم من الصلاة والزكاة والحج , فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الامور كفر ولو عمل بكل ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم , وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر ! سبحان الله ! ما أعجب هذا الجهل !
وأيضاً تامل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قاتلوا بني حنيفة وقد اسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم , وهم يشهدون أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله ,
ويصلون ويؤذنون .
عبد النبي :
ولكنهم يشهدون أن مسيلمة نبي , ونحن نقل لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم .
عبد الله :
ولكنكم ترفعون علياً رضي الله عنه أو عبد القادر أوغيرهما من الأنبياء او الملائكة إلى مرتبة جبار السماوات والارض , فإذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي صلى الله عليه وسلم كفر , وحُل ماله ودمه , ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة , فمن رفعه إلى مرتبة الله فمن باب اولى , وكذلك الذين حرّقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون إلى الإسلام , وهم أصحاب علي رضي الله عنه , وتعلموا العلم من الصحابة , ولكن اعتقدوا في علي مثل الإعتقاد في عبد القادر وغيره, فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم ؟ ,
أتظن ان الصحابة يكفرون المسلمين ؟, أم تظن أن الإعتقاد في السيد وأمثاله لا يضر , والإعتقاد في علي رضي الله عنه يكفر ؟ ويقال أيضاً :
إذا كان الاولون لم يكفروا إلا انهم جمعوا بين الشرك , وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم , والقرآن , وإنكار البعث , وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب ( باب حكم المرتد ) , وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه , ثم ذكروا أشياء كثيره , كل نوعً منها يكفر , ويحل دم الرجل وماله , حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها , مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه , او كلمةٍ يذكرها على وجه المزاح واللعب , وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم :
( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة65-66)
فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قالوها كلمةً ذكروا أنهم قالوها على وجه المزاح , ويقال أيضاً: ما حكى عز وجل عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم , أنهم قالوا لموسى :
(اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً..) (لأعراف:138)
وقول أناس من الصحابة
( إجعل لنا ذات انواط ),
فحلف النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا مثل قول بني إسرائيل :
(اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ..) (لأعراف:138) .
عبد النبي :
لكن بني إسرائيل , والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط لم يكفروا بذلك .
عبد الله :
الجواب أن بني إسرائيل والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا , ولو فعلوا ذلك لكفروا , وأن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه , واتخذوا ذات أنوط بعد نهيه لكفروا .
عبد النبي :
لكن عندي إشكال آخر , وهو قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين قتل من قال " لا إله إلا الله "وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه وقوله :
( يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله )؟, وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :
( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله )
فكيف أجمع بين ما قلت وبين هذين الحديثين , أرشدني أرشدك الله ؟
عبد الله :
من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود , وسباهم , وهم يقولون : لا إله إلا الله , وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة , وهم يشهدون ان لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله , ويصلون , ويدعون إلى الإسلام , وكذلك الذين حرقهم علي رضي الله عنه .
وانت تقر أن من انكر البعث كفر وقتل , ولو قال : لا إله إلا الله , وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها , فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئاً من الفروع , وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه ؟!
وأنت لعلك لم تفهم معنى هذه الأحاديث :
أما حديث أسامة : فإنه قتل رجلاً إدعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما إدعاه إلا خوفاً على دمه وماله , والرجل الذي أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك , وأنزل الله تعالى في ذلك :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...) (النساء:94)
أي فتثبتوا , فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت , فإن تبين بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله :
( فَتَبَيَّنُوا) , ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى .
وكذلك الحديث الآخر وأمثاله , معناه ما ذكرناه , وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه , إلا أن تبين منه ما يناقض ذلك , والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ؟) , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) هو الذي قال في الخوارج :
( أينما لقيتموهم فاقتلوهم ) , مع أنهم أكثر الناس عبادة وتهليلا , حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم , وهم تعلموا العلم من الصحابة , فلم تنفعهم لا إله إلا الله , ولا كثرة العبادة , ولا إدعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة .
عبد النبي :
وما هو قولك فيما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( إن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم , ثم بنوح , ثم بإبراهيم , ثم بموسى , ثم بعيسى , فكلهم يعتذرون , حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )
فهذا يدل على أن الإستغاثة بغير الله ليست شركاً ؟
عبد الله :
هذا خلطٌ منك بحقيقة المسألة , فإن الإستغاثة بالمخلوق الحي على ما يقدر عليه لاننكرها , كما قال عز وجل :
(فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (القصص:15)
وكما يستغيث إنسان بأصحابه في الحرب وغيره في أشياء يقدر عليها المخلوق, ونحن أنكرنا إستغاثة العبادة التي تفعلونها عند قبور الأولياء , أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل , فالناس يستغيثون بالأنبياء يوم القيامة , يريدون منهم أن يدعو الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف , وهذا جائزٌ في الدنيا والآخرة , أن تاتي عند رجلٍ صالح يجالسك , ويسمع كلامك , وتقول له : ادعو الله لي . كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه في حياته , وأما بعد موته فحاشا وكلا , فهم ما سألوه ذلك عند قبره بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره !
عبد النبي :
وما هو قولك في قصة إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار أعترض له جبريل عليه السلام في الهواء , فقال: ألك حاجة ؟
فقال إبراهيم عليه السلام ( أما إليك فلا ) , فلو كانت الإستغاثة بجبريل عليه السلام شركاً لم يعرضها على إبراهيم ؟
عبد الله :
هذه الشبهة من جنس الشبهة الأولى , والأثر غير صحيح , ولكن على القول بصحته فإن جبريل عليه السلام عرض عليه أن ينفعه بأمرٍ يقدر عليه فإنه كما قال الله عز وجل فيه:
( شَدِيدُ الْقُوَى) (لنجم:5)
فلو أذن الله له أن يأخذ نارإبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها بالمشرق أو المغرب لما أعجزه ذلك , وهذا كرجل غني له مالٌ كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه شيئاً يقضي به حاجته , فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ , ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد , فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك التي تفعل الآن !
وأعلم يا أخي أن الأولين الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أخف شركاً من شرك أهل زماننا :
وذلك لأمور ثلاثة :
أحدها :
أن الأولين لا يشركون مع الله غيره إلا في الرخاء , وأما في الشدة فيخلصون الدين لله , والدليل قوله عز وجل :
(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت:65)
وقوله عز وجل :
(وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) (لقمان:32) ,
فالمشركون الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء , وأما في الشدة فلا يدعون إلا الله وحده , وينسون سادتهم , وأما مشركوا زماننا فإنهم يدعون غير الله في الرخاء والشدة , ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهماً راسخاً , والله المستعان !
الأمر الثاني :أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله : إما نبياً أو ولياً أو ملكاً , أو على الأقل حجراً أو شجرة مطيعة لله عز وجل وليست عاصية , وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس , والذي يعتقد في الصالح , والذي لا يعصي مثل الخشب والشجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به .
الأمر الثالث :
أن جملة مشركي زمن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان شركهم في توحيد الألوهية ولم يكن في توحيد الربوبية ,خلاف لشرك المتأخرين , فإن الشرك واقع بكثرة في الربوبية ,
كما أنه واقع في الألوهية كذلك , فهم يجعلون الطبيعة مثلاً هي المتصرف في الكون من الإحياء والإماته ...الخ
ولعلي أختم كلامي بذكر مسألة عظيمة تفهم بما تقدم وهي أنه لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بقول وعمل القلب واللسان , وفعل الأسباب بعمل الجوارح , فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً. فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند , كفرعون وإبليس ,
وهذايغلط فيه كثير من الناس ويقولون :
هذا حق , ولكن لا نقدر أن نفعله , ولا يجوز عند أهل بلدنا , ولا بد من موافقتهم ومداهنتهم خوفاً من شرهم , ولم يعرف المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشئ من الأعذار , كما قال عز وجل :
(اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (التوبة:9)
وإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق , وهو شرٌ من الكافر الخالص , لقوله عز وجل :
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) (النساء:145) وهذه المسألة تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس :
فترى من يعرف الحق , ويترك العمل به لخوف نقص دنياه كقارون , أو جاه كهامان , أو ملكه كفرعون , وترى من يعمل به ظاهراً لاباطناً كالمنافقين , فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه .
ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله عز وجل :
الآية الأولى:
ما تقدم وهو قوله تعالى :
(لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ..) (التوبة:66) ,
فإذا علمت أن بعض الذين غزوا الروم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزاح تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص مال, أو جاه, أومداراة لأحد, أعظم ممن يتكلم بكلمةٍ يمزح بها , لأن المزاح في الغالب لا يعتقد في قلبه ما يقوله بلسانه لإضحاك القوم , أما الذي يتكلم بالكفر, أو يعمل به خوفاً أو طمعاً فيما عند المخلوق , فقد صدق الشيطان بميعاده
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ..) (البقرة:268)
وخافه بوعيده :
(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ..) (آل عمران:175)
, ولم يصدق الرحمن بميعاده :
(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً ..) (البقرة:268)
ولم يخف الجبار بوعيده :
(فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:175)
فهل يستحق أن يكون من أولياء الرحمن أم من أولياء الشيطان ؟!
والآية الثانية :
قوله تعالى :
(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106)
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان , وأما غيره فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً , أو طمعاً , أو مداراة لأحد , أو مشحة بوطنه , أو أهله أو عشيرته , أو ماله أو فعله على وجه المزاح , أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره , فإن الآية تدل على أن الإنسان لا يكره إلا على العمل , والكلام , والفعل , وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها احد , وقوله تعالى :
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (النحل:107)
فصرح أن العذاب لم يكن بسبب الإعتقاد , والجهل والبغض للدين , أو محبة الكفر , إنما سببه إنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا , فآثره على الدين , والله أعلم ..
وبعد هذا كله ألم يأن لك – هداك الله – أن تتوب إلى ربك وتعود إليه وتترك ما أنت عليه , فإن الأمر كما سمعت جِِدُ خطير , والمسألة عظيمة , والخطب جَلَل. |