حرب الكرامة والاستنزاف حرب الاستنزاف
انتهت حرب 5 يونيو أو حرب الأيام الستة كما سمتها إسرائيل بنهاية مأساوية كشفت عن كثير من أوجه القصور في القوات المسلحة المصرية بشكل عام وفي القوات التي تتولى مهام الدفاع الجوي بشكل خاص ولذا وضعت القيادة السياسية جملة من الأهداف لتجاوز النكسة تتمثل فى : إعادة بناء القوات المسلحة ، إعادة الثقة للجنود في أنفسهم وفي قادتهم ، إعادة الضبط والربط ، إعادة تدريب القوات ، وتنظيم الوحدات ، ومن هنا بدأت مرحلة الصمود وحرب الاستنزاف.
مرحلة الصمود
فبعد النكسة حاول الإسرائيليون الدخول واحتلال مساحات أوسع من أرض سيناء حيث تحركت قوات العدو من القنطرة في اتجاه بور فؤاد ولكن بعض قوات الصاعقة المصرية قامت ببث الألغام في طريقهم وعندما تقدم العدو انفجرت هذه الألغام فمنعت العدو من التقدم في 1 يوليو 67 وهى المعركة التى أطلق عليها " معركة رأس العش " .
وفي 2 يوليو 67 ، حاولت إسرائيل الاستيلاء علي بور فؤاد ولكن أفراد القوات المصرية تصدوا لهم بالأسلحة الخفيفة ودمرت عربات المدرعات المتقدمة واضطر العدو أن ينسحب بقواته وسميت هذه المعركة بمعركة راس العين .
وفى 14و 15 يوليو 67 ، قامت القوات المصرية بإطلاق مدفعية عنيفة علي طول الجبهة وذلك بعد اشتباكات مع العدو في الجنوب في اتجاه السويس والفردان وقد كان ذلك تمهيدا لطلعة طيران قوية حيث خرجت القوات الجوية باكملها وهى تضرب في الجنوب فتحول العدو بقواته الي الجنوب وترك الشمال بغير غطاء فانطلق الطيران المصري الي الشمال وأوقع خسائر كبيرة فى صفوف القوات الاسرائيلية .
وقامت القيادة الإسرائيلية علي إثر هذه الضربة الجوية المصرية الصائبة بطلب وقف إطلاق النار من أمريكا التي كلفت الأمين العام للأمم المتحدة بإبلاغ الرئيس جمال عبد الناصر عبر التليفون بهذا الطلب الإسرائيلي وكان قائد الطيران المصري في هذا الوقت هو الفريق مدكور أبو العز.
وفي 21 أكتوبر67 ، قامت البحرية المصرية بتدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات ، ويروي اللواء محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات بحرب أكتوبر فى مذكراته تفاصيل ما حدث في هذا اليوم ، قائلا :" جاء يوم 21 أكتوبر 1967 وقد وصلت إلى مركز قيادة الجبهة بعد راحة ميدانية ، فوجدت اللواء أحمد إسماعيل ومعه العميد حسن الجريدلى رئيس عمليات الجبهة ، وقد كنت أنا وقتها رئيس أركان للجبهة ، يتابعان تحركات المدمرة الإسرائيلية إيلات بالقرب من المياه الإقليمية لمصر فى المنطقة شمال بورسعيد . كانت المعلومات تصلنا أولا بأول من قيادة بورسعيد البحرية التى كانت تتابع تحركات المدمرة ، وقد استعدت قوات القاعدة لمهاجمة المدمرة عندما تصدر الأوامر من قيادة القوات البحرية بالتنفيذ . وظلت المدمرة المعادية تدخل المياه الإقليمية لفترة ما ثم تبتعد إلى عرض البحر ، وتكرر ذلك عدة مرات بطريقة استفزازية وفى تحرش واضح ، لإظهار عجز قواتنا البحرية عن التصدى لها ".
واستطرد يقول :" وبمجرد أن صدرت أوامر قائد القوات البحرية بتدمير هذه المدمرة عند دخولها المياه الإقليمية ، خرج لنشان صاروخيان من قاعدة بورسعيد لتنفيذ المهمة . هاجم اللنش الأول بإطلاق صاروخ أصاب المدمرة إصابة مباشرة فأخذت تميل على جانبها ، وبعد إطلاق الصاروخ الثانى تم إغراق المدمرة الإسرائيلية " إيلات " شمال شرق بورسعيد بعد الخامسة مساء يوم 21 أكتوبر 1967 وعليها طاقمها ،
حرب أكتوبر أعادت الكرامة للعرب
وقد غرقت المدمرة داخل المياه الإقليمية المصرية بحوالى ميل بحرى، وعاد اللنشان إلى القاعدة لتلتهب مشاعر كل قوات جبهة القناة وكل القوات المسلحة لهذا العمل الذى تم بسرعة وكفاءة وحقق تلك النتيجة الباهرة".
لقد كان إغراق المدمرة إيلات بواسطة الصواريخ البحرية التي استخدمت لأول مرة بحسب الجمسي بداية مرحلة جديدة من مراحل تطوير الأسلحة البحرية والقتال البحرى فى العالم وأصبح هذا اليوم ـ بجدارة ـ هو يوم البحرية المصرية ، مؤكدا أن هذه الضربة كانت هي حديث العالم كله في هذا الوقت .
انطلاق حرب الاستنزاف
وبعد ذلك انطلقت حرب الاستنزاف وهو التعبير الذى أطلقه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر على العمليات العسكرية التي دارت بين القوات المصرية والاحتلال الإسرائيلى شرق قناة السويس والتى نقلت مصر خلالها المعركة إلى مواقع العدو بعد أن نجحت في مرحلة الصمود ومنع العدو من احتلال أراض جديدة وكان الهدف الأساسى من تلك الحرب هو إسقاط أكبر عدد ممكن من القتلى والجرحى والآليات في صفوف العدو وتدريب الجنود المصريين على عمليات قتالية في شرق القناة تمهيدا للحظة العبور.
وقد شرح جمال عبد الناصر فلسفته في هذة الحرب في حوار مع الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل ، قائلا :" أن يستطيع العدو أن يقتل 50 ألفا منا فإننا نستطيع الاستمرار لأننا نمتلك لاحتياطي الكافي و لكن أن يفقد العدو 10 آلاف فسوف يجد نفسه مضطر إلى أن يوقف القتال فهو لا يمتلك الاحتياطي البشري الكافي ".
وبدأت تلك الحرب في مارس 1969 وانتهت بموافقة عبد الناصر على مبادرة وزير الخارجية الأمريكى حينئذ روجرز لوقف إطلاق النار فى الثامن من أغسطس 1970 .
وفي كتاب " أسرار جديدة عن حرب الاستنزاف" الذى صدر عن الهيئة المصرية للكتاب في 2005 ، واعتمد في محتوياته على شهادة شخصيتين كان كل منهما قريبا جدا من أسرار حرب الاستنزاف وعملياتها ، هما: عبده مباشر رئيس القسم العسكري الأسبق في الأهرام، وعميد بحري سابق إسلام توفيق ، جاء أن اللواء محمد صادق مدير المخابرات الحربية في هذا الوقت أقنع الرئيس عبد الناصر أن صورة القائد والضابط والجندي الإسرائيلي في مخيلة القوات المصرية على ضوء نتيجة يونيو 1967 هي صورة المقاتل السوبر (المقاتل الذي لا يقهر)، ولو تم ترك هذه الصورة لتترسخ لأصبح من المتعذر على القوات المصرية أن تواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي في أي صراع عسكري مقبل .
ووفقا للواء محمد صادق أيضا ، فإنه إذا كانت مصر ستخوض معركة مقبلة لتحرير أرضها واستعادة كبريائها ، فإن الخطوة الأولى هي تحطيم صورة المقاتل الإسرائيلي السوبر قبل أن تترسخ في عقول المقاتلين المصريين ، ولتحقيق هذا الهدف فإنه من الضروري أن تبدأ عمليات فدائية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في شرق قناة السويس ، مؤكدا أن سقوط قتلى وجرح وأسرى فى صفوف العدو سيؤدي إلى استنزافه ونزع هذه الهالة التي اكتسبها في يونيو 1967.
وبالفعل وعلى أساس تلك الرؤية العسكرية ، انطلقت حرب الاستنزاف في مارس 1969 وتضمنت هجمات متعددة ضد الاحتلال في سيناء وحتى فى مناطق خارج منطقة الصراع تماما مثل عملية تفجير حفار إسرائيلي في المحيط الأطلنطي .
وكان من أهم إنجازات تلك الحرب عملية إيلات التي تم خلالها الهجوم على ميناء أم الرشراش المصري الذي أسمته إسرائيل إيلات بعد احتلاله ، حيث تم تلغيم الميناء وقتل عدد من العسكريين وإغراق بارجة إسرائيلية ، وذلك من قبل رجال الضفادع البشرية المصريين بالتعاون مع القوات الأردنية والعراقية ومنظمة التحرير الفلسطينية.
كما سطر أبطال "المجموعة 39 قتال" التي كان يقودها العميد إبراهيم الرفاعي الذى استشهد فيما بعد بحرب أكتوبر بأسمائهم في سجل التاريخ بالنظر إلى المهام الخطيرة التى أوكلت إليهم وتم تنفيذها بنجاح خلال تلك الحرب ، وكانت تلك المجموعة تضم خيرة مقاتلي الصاعقة والضفادع البشرية والصاعقة البحرية وأذاقت جيش الاحتلال الإسرائيلي الويل والأهوال وسببت لجنوده حالة هيستيريا دائمة حتى أنهم كانوا يحاولون الوصول بأية وسيلة إلي معلومات عن تلك المجموعة وأساليب عملها ، بل أنهم حددوا أسماء ثلاثة من رجال المجموعة للوصول إليهم أحياء أو أموات وهم الشهيد إبراهيم الرفاعي والقائد الثاني للمجموعة الدكتور علي نصر ثم المقاتل الفذ علي أبو الحسن الذي شارك في 44 عملية خلف خطوط العدو في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر .
قالوا عن حرب الاستنزاف
ويؤكد الخبراء العسكريون أن حرب الاستنزاف هى التى مهدت الطريق لنصر 6 أكتوبر ، ففى تقرير نشرته جريدة "العربى الناصرى " فى 5 أكتوبر 2003 ، قال اللواء صلاح المناوي رئيس عمليات القوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر :" إن حرب الاستنزاف كانت المدرسة التي أعدت القوات المسلحة المصرية لحرب أكتوبر المجيدة فقد كشفت لنا حرب الاستنزاف كل تجمعات العدو وطريقة اقترابه في الهجوم والشكل القتالي الذي يتواجد به كما كشفت لنا أيضا عدد طائرات العدو المستخدمة في الجو والأخري بالمظلات مما ساعدنا علي إعداد خطة أكتوبر ونجاح القوات المسلحة الباسلة في تدمير طائرات العدو وهي علي الأرض".
وفي السياق ذاته ، أكد اللواء أحمد حجازى أحد أبطال نصر أكتوبر أن التاريخ لن ينسي الانتصارات المصرية خلال حرب الاستنزاف لأنها غيرت وجهة النظر الحربية خاصة في القوات البحرية ، فبعد نجاح القوات البحرية المصرية في تدمير ميناء إيلات ، استبدلت جيوش العالم كله المدمرات والقطع الكبيرة بالزوارق واللنشات الخفيفة ، قائلا :" حرب الاستنزاف كانت نصرا لمصر ولذا سارعت أمريكا لإنقاذ إسرائيل عبر مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار ".
وفي ضوء ما سبق ، يمكن القول إن حرب الاستنزاف دحضت المزاعم الإسرائيلية حول أن الجيش المصرى تحول إلى جثة هامدة بعد نكسة 1967 . |