اللبنانيون متفقون على ولاية الفقيه فتح باب القاعة التي يجلس فيها زعماء لبنان الأعداء ليعلن : "لقد اتفقوا" فبدأ اللبنانيون الطيبون والمواطن العربي الطيب والساذج أيضا ، يرقصون ويحمدون الله على أنهم اتفقوا ، وحضرت الوفود من كل أنحاء العالم لتشارك في احتفال تنصيب رئيس للبنان ، وكان المواطنون اللبنانيون يحتفلون في الشارع مع هيفاء وهبي .
وبدأ المبشرون يؤكدون أنه لا عودة لما حدث قبل أن "يتفقوا" ، والضمانات تعيين رئيس وتشكيل حكومة "16 ـ 11 ـ 3" ، أي 16 وزيرا للأغلبية و 11 للمعارضة و 3 لرئيس الدولة ، ولكن هل المشكلة هنا ، أي وجود رئيس وحكومة لا يمكن لها تحديد استراتيجية ، ما لم تقنع المعطلين لأي استراتيجية إن لم يوافق عليها حسن نصر الله ؟
المشكلة لا تكمن هنا وإن قيل "اتفقوا" ، وإن حضر موفدون من كل دول العالم لبرلمان لبنان ، المشكلة أن مقومات الدولة غير موجودة ، فالدولة لا تحتمل وجود جيوش كثيرة ـ وإن لم يظهر في الصورة سوى جيشين لأنهما الأقوى ـ كل جيش يحمل عقيدة مختلفة عن الجيش الآخر .
وما لم ينزع السلاح من الجميع ، وتحتكر الدولة القوة ، لتحتكر السيادة ، ويوضع قانون يشبه قانون أعدائنا اليهود ، هذا القانون الذي بدأ يطارد رئيس وزراء إسرائيل بسبب 8 آلاف دولار ، لا يمكن تصديق أنهم "اتفقوا" ، فما حدث في الدوحة هدنة مؤقتة ، أو هدنة المحاربين .
وإن قال المنظرون إن للبنان خصوصية ، وإن لبنان طوائف متعددة ومتنوعة عرقيا وعقديا ومذهبيا ، فهذا الكلام مخادع ومخاتل ، فلبنان لن تكون متعددة الديانات مثل الهند أو متعددة الأعراق مثل أمريكا ، ومع هذا هناك دولة اسمها الهند والولايات المتحدة ، لأن الدولة تحتكر القوة ، والقانون يمكن له أن يطال الجميع إلى حد كبير ، وليس لكل طائفة جيشها الخاص وأمنها الخاص .
المدهش بعد هذا "الاتفاق" كما يقال ، أو الهدنة كما أراه ، ثار المختلفون بتوجههم على كلمة حسن نصر الله ، حين أعلن وبصريح العبارة : "نعم نحن نؤمن بولاية الفقيه" .
وبدأوا يصرخون إنه يؤمن بولاية الفقه الذي يملك السلطة المطلقة في عصر غيبة المهدي المنتظر ، والحق يقال إن هذه الفكرة معششة في رؤوس غالبية العرب وإن لم تكن متطابقة تماما مع ما قاله الخميني رحمة الله عليه وأنها مؤقتة إلى أن يأتي المهدي ، ففي الحرب الأخيرة بلبنان خرج أحد زعماء الطوائف على الهواء مباشرة ليقول : "أنا راح لي اثنين" أي قتل له اثنان من طائفته ، واعتقد لا يحتاج الأمر لتفكير عميق ليكتشف أن زعيم الطائفة يؤمن بولاية الفقيه ولكن على طريقته ، فهو لم يقل : قتل إثنان من الحزب ، بل هو يرى أن القتيلين أملاك خاصة خسرها بصفته فقيه غير شيعي .
خلاصة القول: علينا ألا نبالغ في فرحنا بما حدث في الدوحة ، فهو هدنة مؤقتة ، قد تساعد على إعادة النظر في أمور كثيرة ، وأن لبنان ـ العالم العربي أيضا ـ ليس حالة خاصة ومختلفة ، بقدر ما هو متشابه حد التطابق ، فكل قبيلة أو طائفة أو عرق قابع تحت مظلة "الجامعة العربية" هو في نهاية المطاف يؤمن بولاية الفقيه أو ولي الأمر، كل على طريقته الخاصة .
وولاية الفقيه هي باختصار : شخص ما يفكر عن الجميع ، والجميع يثقون في عقله أكثر من ثقتهم في عقولهم ، فينفذون رغباته ، ويقاتلون ويقتلون لفرض سلطته على الخارجين عن صراطه المستقيم .
لا أريد تشويه الأفراح والليالي الملاح ، لكن يعن على بالي أن أسأل : قتل 100 شخص وحرقت وهدمت منازل ، ولا أحد طالب بإقامة تحقيق لمعرفة كيف قتلوا ومن قتلهم ؟
أليست هذه أنانية محضة من المبتهجين ؟
المشكلة أن العقل المرتهن لولاية الفقيه عادة ما يكون سجاليا ، وسيأخذك في اتجاه آخر ، كأن يقول لك : الفتنة نائمة .
ألا يدل كل هذا على أن الإنسان لا قيمة له في العالم العربي ، وأن اللعبة ستستمر كل مرة ، ما لم نفهم أن الإنسان يولد وعقله جاهز لأن تملئه بما تريد ، فإما أن تملؤه في المدارس بأن يستغني عن عقله لمصلحة الفقيه ، أو تملؤه بقدسية الإنسان وحرية الفكر والتنوع ، وأن الله وحده يحاسب الإنسان في الآخرة على معتقده ، وأن مهمته في هذه الحياة أن يرفض الظلم ، وأن يبحث عن العدل .
ويخيل لي : ليس من العدل أن يموت 100 إنسان لبناني ، ولا أحد يكترث لموتهم ، لأن فقهاء لبنان "اتفقوا" .
*نقلا عن جريدة "شمس" السعودية 00بقلم صالح الطريقي |